+ الرد على الموضوع
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 1 2
النتائج 11 إلى 18 من 18

  1. #11
    عـضـو V.I.P
    الحاله : كريم الحيدري متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2012
    رقم العضوية: 2250
    الجنس: ذكر
    المشاركات: 2,295
    الدولة: علم دولة العضو
    كريم الحيدري will become famous soon enough كريم الحيدري will become famous soon enough
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    عدد الترشيحات : 7
    عدد المواضيع المرشحة : 6
    رشح عدد مرات الفوز : 3

    رد: الطريق إلى الله تعالى

    09-2
    فتأمّل فيه ترى ما لا يوصف ، وبهذا الحديث الشريف وملاحظة أمثاله من مظان المواهبالإلهية ، والنفحات الربانية ، يتقوّى جانب من أن يكون ما عندنا من الظنون الحسنة ،والآمال بمواهب ذي الجلال ، مندرجة تحت حسن الظن بالله ، إذ هي إن لم تكن منه فلاأقلّ من أن تكون من أفراده الادعائية ، وقد عرفت إنه بكرمه يجيزها ويعاملها معاملةالأفراد الحقيقية ، وحكمه في الدارين واحد {>ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} . سورة الملك/3

    واعلم أن حسن الظنّ ليس مقتضاه الخلود إلى الراحة ، وتركالعمل معللاً بحسن الظنّ بالله ، فإن هذا من خدع الشيطان الرجيم - أعاذنا الله منهوجميع المؤمنين بمحمد وآله الطاهرين - بل مقتضاه الانجذاب إلى ما عند الله ، وشدةالرغبة في مواهب االله ، فإن من أنس بمواهب الله جذبه الطمع ، وهانت عنده الشدائد ،ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.(4)


    (4) ان هذه الرواية من الروايات التي تبعث الامل الكبير فيالنفوس .. فانظر الى هذه الرحمة المستغرقة لادنى القابليات التي تدعى حسن الظنإدعاءً ، فكيف بمن يدعيه صدقا؟!.. وكيف بمن يمارسه تطبيقا في الحياة الدنيا؟!.. ونرجع فنقول : كَم مِنَ الذين يلتفتون إلى مثل مقالة ذلك العبد يوم القيامة ؟ ..ولوالتفت اليها جميع أهل المحشر لنجوا بذلك !.. ولكنه تعالى هو الذي يلقن العبد حجتهيوم لقائه ، لما رأي منه في دار الدنيا ما يوجب له هذا اللطف في ذلك اليوم العصيب.( المحقق )

    وعن مولانا الرضا (ع) قال: إنّ الله أوحى إلى داود (ع) قال: إنّ العبد من عبادييأتيني بالحسنة فأدخله الجنة.
    قال: يا رب ، وما تلك الحسنة؟..
    قال: يفرّجعن المؤمن كربة ولو بشق تمرة.
    فقـال داود (ع) : حـق لمن عرفك أن لا ينقطع رجاؤهمنك. [العيون:1/313 ، الجواهر السنيّة:79] .. انتهى.
    فإذا كان عزّ وجلّ يعطيهذه الجنة العظيمة التي عرضها السماوات والأرض بشق تمرة ، وفي بعض الروايات أنهيحكم بالجنة بشق تمرة.
    فبالله عليك كيف يسوغ ترك المعاملة مع هذا الكريم ،والتغافل عن معاملته طرفة عين؟.. وبأي شيء يستبدل عنه؟.. ومن فاتته لحظة لم يقبلفيها على الله فأي شيء يكون عوض ما فاته؟!.. هيهات !.. هيات!.. لقد فاته شيء لا عوضله ، وغبن غبناً لا جبر له.

    ومن أجل هذا المعنى وشدة رأفة الله بعبادهالمؤمنين ، جاءت الشريعة الغرّاء بترتيب المثوبات العظيمة على حركات المؤمنينوسكناتهم ، وحتى علّم علي بن الحسين (ع)شيعته الدعاء بقوله:

    اللهم !.. اجعلهمسات قلوبنا ، وحركات أعضائنا ، ولمحات أعيننا ، ولهجات ألسنتنا في موجباتثوابك<. الصحيفة السجادية:60
    وقال (ع)في بعض أدعيته:
    وأستغفرك من كلّلذّةٍ بغير ذكرك .( المناجاة الخمسة عشر)

    فمراد الله سبحانه في عبادهالمؤمنين ، أن لا يخسروا خسراناً لا جبر له بالغفلة عن معاملته ، وفقد أجرته طرفةعين.
    ولهذا جعل الطرق إليه بعدد أنفاس الخلائق بحيث أنّ >من شرب الماء وذكرالحسين (ع) وأهل بيته ولعن قاتله ، كتب الله له مائة ألف حسنة ، ومحى عنه مائة ألفسيئة ، ورفع له مائة ألف درجة ، وكان كأنما أعتق مائة ألف نسمة ، وبعثه الله يومالقيامة ثلج الفؤاد< . الكافي : 6/193..

    أترى صاحب هذا العطاء ، والمُعدلهذا الجزاء يرضى أن يضيع على عبده - المحتاج إليه وهو الغني المطلق - نفساً منأنفاسه؟!..
    حاشا وكلا!.. بل يريد من هذا العبد المسكين أن يكون مقبلاً على ربه، حيث إنه لا خير إلا عنده ، ولا شرف إلا في الإقبال إليه ، فإذا أقبل هو على اللهأقبل هو عليه ، وإذا أقبل عليه عامله بفضله وكرمه وهداه لأن يقصد بكل خطراتهوحركاته وسكناته ونومه ويقظته رضاء ربه ، بما يقتضيه كرمه وجوده ومنّه.

    ومنه ما عن الباقر (ع) قال: إنّ الله أوحى إلى داود (ع): بلّغ قومك أنه ليسمن عبدٍ منهم آمره فيطيعني ، إلا كان حقاً عليّ أن أطيعه وأعينه على طاعتي ، وإنسألني أعطيته ، وإن دعاني أجبته ، وإن اعتصم بي عصمته ، وإن استكفاني كفيته ، وإنتوكّل عليّ حفظته من وراء عــوراته ، وإن كاده جميع خلقي كنت دونه.. انتهى . الجواهر السنية : 74

    وكذلك تأتي رأفته البالغة ورحمته الواسعة ، أن يبالغفي تحذير عبده المسكين عن التخطي إلى ما لا يعنيه فضلاً عما يضرّه.

    وفي بعضالخطابات القدسية على ما في (الجواهر السنية):
    يا بن آدم !.. إذا وجدت قساوة فيقلبك ، وسقما في جسمك ، ونقصاً في مالك ، وحريمة في رزقك ، فاعلم أنك قد تكلّمتفيما لا يعنيك . الجواهر السنية : 66
    وهو الفضول من الكلام ، فضلاً عن المحرّمفهــو أضرّ على الإنسان من السمّ ، إذ منتهاه أن يؤثّر في الجسم ، والفضول منالكلام يؤثر قساوة في القلب ، والنقيصة في المال ، والحرمان في الرزق ، مع السقم فيالجسد ، فكيف يرضى له الرب الرؤوف بأن يعرّض نفسه لهذه المهلكة العظيمة.

    بلورد أنّ الله سبحانه يحاسب العبد على فضول النظر ، كما يحاسبه على فضول الكلام.(5)


    (5) وهذا هو مقتضى المراقبة الدقيقة للسلوك في ارقى مراتبه،فان لحظات العيون مما لا يعد عند العامة فعلا ليترتب عليه الحساب ، إذ أن العينتبصر ما لم تغمض سواء أراد صاحبها أم لم يرد.. ولكن المراقب لنفسه يحوّل هذهالعملية اللاإرادية إلى حالة شعورية ..فلا يسلط نظره إلى ما ليس مأمورا به ، فكيفاذا كان منهيا عنه؟!.. بهذا الحديث واشباهه يعلم ان الطريق الى الله تعالى كالصراطيوم القيامة احد من السيف.. ومن هنا صعب الوصول إلا بفضل الله ورحمته.(المحقق )

    فمن أجل أنه لا يريد أن يضيّع على عبده البائس المسكين نظرة من نظراته ، جعل لهالنظر إلى وجه العالم عبادة ، والنظر إلى الكعبة عبادة ، والنظر إلى ذرية رسول الله (ص) عبادة ، والنظر إلى المخلوقات بعين الاعتبار عبادة ، وأي عبادة !.. فإنهالتفكير الذي ساعة منه تعدل عبادة ستين سنة { فأينما تولوا فثم وجه الله } . البقرة/115

    وعن الصادق جعفر بن محمد بن علي ، عن أبيه ، عن آبائه (ع) ، عنالنبي (ص) قال:
    أوحى الله تعالى إلى داود (ع) : يا دواود !.. وكما لا تضيقالشمس على من جلس فيها ، كذلك لا تضيق رحمتي على من دخل فيها ، وكما لا تضرّالطِّيرة من لا يتطير ، كذلك لا ينجو من الفتنة المتطيّرون. [ الجواهر السنية : 77] .. انتهى.

    وهذا الخطاب الإلهي القدسي من أكبر وأعظم الشواهد على ما أصّلناهمن أن المتطير لسوء ظنه بربّه لا ينجو من الفتنة ، فيقع في الهلكة ، ومن لا يتطيّرلحسن ظنّه بربّه لا تضرّه الأشياء التي يُتطيّر منها ، وتُدفع عنه ببركات حسن الظنبالله.

    ومن دخل في رحمة الله بالانقطاع (6).....


    (1) إن تعبير المصنف في هذا الموضع تعبير رائع .. فمن ناحيةجعل الدخول إلى أخبارهم من موجبات الرحمة الإلهية ، فإن نفس الميل إلى أخبارهموالأنس بما ورد عنهم من علامات المسانخة لطينتهم ، والاستعداد لتلقي الفيض منهم ،وإلا فإن النفوس الاجنبية لا تألف هذه الكلمات الصادرة ممن اتصلوا بعالم الغيب.. ومن ناحية اخرى اكد على ضرورة الانقطاع إليهم ، فكيف يهتدي الى طريق الله الاعظم منلم يستوعب حقيقة الولاية الالهية المتمثلة في النبي (ص) وأوصيائه (ع) ؟!..إن هذهالنفوس التي لم تفهم أكثر الحقائق بداهةً في عالم المعرفة – اذ ما نودي بشيء مثلمانودي بالولاية (الكافي ج 2 ص 18) – كيف لها أن تفهم دقائق السير إلى رب الأرباب؟!.. (المحقق )

    ....... إلى أخبار أهل البيت (ع) ، واقتفى آثارهم لم تضق عليه ، بل لا تزال تتسع وتنفتح له الأبواب التي كل باب ينفتح منه ألف باب ، حتى يوصله إلى مقام انشراح الصدر بنور العلم والمعرفة ، وهو من أفضل ما أثنى الله على نبيه (ص) حيث يقول:
    { ألم نشرح لك صدرك } . الإنشراح/1

    فإذا مَنَّ الله عليه بالوصول إلى هذه الرتبة ، فهو من الذين لا يصلهم بلاء الدنيا ، ولا بلاء الآخرة ، وبمعنى أنه لو أصابه نوع من البلاء فهو عند غيره بلاء ، وبحسب نظر الناس ، وإلا فهو عنده في جنب ما عرّفه الله من إيصاله إلى رضاء الله ، وبحسب ما يطلب منه من المراتب السامية عند الله تعالى، من أكبر الملاذ وأهنأ العطاء.

    ولذا كان بعض خواص الحسين (ع) من أهل الطف ، كلما اشتد عليهم البلاء تشرق وجوههم ، وتستبشر نفوسهم ، رزقنا الله وإياكم هذه المقامات ، وأين أبناء الملوك عن هذه اللذات ، وحسبنا الله ونِعْمَ الوكيل ، ونِعْمَ المولى ونعم النصير .


  2. #12
    عـضـو V.I.P
    الحاله : كريم الحيدري متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2012
    رقم العضوية: 2250
    الجنس: ذكر
    المشاركات: 2,295
    الدولة: علم دولة العضو
    كريم الحيدري will become famous soon enough كريم الحيدري will become famous soon enough
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    عدد الترشيحات : 7
    عدد المواضيع المرشحة : 6
    رشح عدد مرات الفوز : 3

    رد: الطريق إلى الله تعالى

    09
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    الباب الرابع:في ذكر بعض الطرق إلىالله تعالى


    هذه من الحقائق التي تزيد العبد بصيرة في سيره إلى الله
    تعالى ، فليست هنالك معادلة ثابتة في جزئيات السير اليه ، فلكل زمان ، ومكان ، وفرد، وظرف، موجباته وموانعه ..فلذلك تعددت السبل ، وإن اتحد الصراط ، فجمع الأول وافردالثاني في القرآن .. ومن هنا لا ينبغي التأسي بخصوصيات السالك الفردية - وإن كانواصلاً - لأن لكل فردٍ ظرفه وتكليفه.. ومعرفة السبيل الأنسب من بين السبل ، شاغللبال السالكين جميعا.. فليست هناك مشكلة في الحكم الشرعي الالزامي لإمكان معرفة ذلكمن خلال ما ورد في الفقه ، وإنما المشكلة كامنة في الاحداث والوقائع الشخصية التيلا دور للفقه فيها كموارد تزاحم الأهم والمهم ،
    (1)


    (2) وهنا يحتاج السالك إلى بصيرة نافذهفي معرفة السبيل الأقوم في مقابل السبل المستقيمة الأخرى ، وهي إما أن تحصلبالإلقاء في الروع والاحساس اليقيني بذلك ، أو بالتسديد القهري بوضعه على الطريقولو مع عدم الاحساس بذلك ، او عن طريق اشارات اهل المعرفة الذين فتحت لهم الأبواب ،فناجاهم الله في فكرهم ، وكلمهم في ذات عقولهم فاستصحبوا بنور يقطة في الاسماعوالابصار والافئدة (النهج ج2 ص 211). وقد قال النبي (ص) اتقوا فراسة المؤمن فانهينظر بنور الله (بصائر الدرجات) – ص 375 .( المحقق

    (1)
    اعلم أنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق
    .......فلكل أحد من الخلق طرق إلى الله بعدد أنفاس كل الخلائق ، والشقي من ضاقتعليه رحمة الله التي وسعت كل شيء.

    واعلم أنه لا طريق أنجح من حسن الظنبالله ، فإنه في ظنّ عبده المؤمن ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر.
    والناس قدعودوا أنفسهم بمقتضى تسويل النفس والشيطان على سوء الظنّ بربهم ، ومسارعة أذهانهمإلى التفاؤل بالسوء واليأس من الفرج بمجرد مشاهدة آثار الابتلاء ، والتخوّف من شدةالبلاء ، متيقنين في ذلك ، فيقعون فيما فرّوا منه ، ويجري عليهم ما تفاءلوا به منالبلاء، فإنه والعياذ بالله نوع من سوء الظنّ.

    وقد عرفت أنه بسوء الظنّيتأهل العبد لأن يعامل بسوء ظنه ، إلا أن يعفوالله سبحانه.
    والنبي (ص) كــانيحب التفاؤل بالخير ، ويكــره الطِّيــرة. [ البحار :92/2 ] ..

    والطِّيرةعلى حسب ما يراها صاحبها ، إن رآها شديدة كانت شديدة ، وإن رآهـا خفيفة كانت خفيفة، وإن لم يـرها شيئاً لـم تك شيئاً . [ روضة الكافي :197] ، كذا في خبر في (روضةالكافي).

    فيجب على المؤمن المقتفي آثار أهل البيت ، أن يعوّد نفسه على حسنظنّه بربه ، فيرجو من الله بالقليل الكثير ، فهو سبحانه الذي يُعطي الكثير بالقليل، وكلما تؤمله منه وتظنّه به سبحانه وتعالى من أصناف الخير وكرمه فوق ذلك ، وظنّكله نهاية ، وكرمه سبحانه لا نهاية له ، وهو سبحانه قد أخبرك بأنه في ظنّك الحسن ،وعند ظنّك الحسن ، وقد قال مولانا أمير المؤمنين (ع): من ظنّ بك خيراً فصدِّقظنَّه. البحار : 74/212

    فإذا كان حكمه على عباده ، الجاري على لسان أوليائه، أن يصدقوا ظنّ من ظنّ بهم خيراً ويحققوا ظنّه ، فهو سبحانه عزّ وجلّ أولى بذلك.
    بل يستفاد من الأخبار وتتبع الآثار ، أن كل من يحسن الظنّ بشيء يصدق الله ظنّه، ويجري له الأمر على وفق ظنّه الحسن ، وكأنه من أفراد حسن الظنّ بالله ، إذ معنىظنّ الخير بهذا الشخص يرجع إلى الظنّ بأن الله أودع فيه ذلك الخير للمقدمة المطويةالمعلومة من أن كل خير من الله ، فالله سبحانه يصدق هذا الظنّ.

    وقد جاء خبرصريح بأن من ظنّ بحجرٍ خيراً جعل الله فيه سرّاً ، فقال له الراوي: بحجر!.. فقال لهالإمام (ع): أو ما ترى الحجر الأسود(2).

    (2) لم ار الحديث في المصادر التي كانت متاحة لدي .. والروايةعلى فرض الصدور ، تريد أن تشير إلى أن عناصر هذا الوجود كلها قابلة لتلقي الفيضالخاص من المولى.. فان الموجودات وان كانت متساوية المثول بين يديه ، إلا أن المبدعلها - ولأمور لا يعلمها إلا هو - يختص بعضها بلطفه كالبقاع الشريفة ، والازمنةالمباركة ، فتتحول بعد التشريف الانتسابي إلى شأن من شؤونه ، فتتميز في خواصهاواثارها عما يشابهها من الموجودات .. فهذا قميص يوسف يلقى على وجه ابيه فيرتد بصيرا .. وهذا التابوت فيه سكينة من ربهم .. وهذه قبضة من اثر الرسول تعمل الأعاجيب .. وهذا الحجر الأسود – كما في الرواية – جعلها الله تعالى يمينه في الأرض .. هذا كلهفي عالم الجمادات ، فكيف اذا تحقق الأمر في عالم الناطقات ، وهي النفوس التياستسلمت لربها عن رضىً واختيار كنفوس المعصومين (ع)؟!..( المحقق )


    فيستفاد من هذا أنّ الله سبحانه وتعالى ، يصدق الظنون الحسنة من المؤمنين منبعضهم في بعض ، ويحقق لهم ذلك.

    ومن ذلك تصديق شهادة من يشهدون للميت بأنهملا يعلمون منه إلا خيرا ً، للتنبيه على حسن الظنّ ، بل على عدم العلم بغير الحسن.. وقد ورد الحديث بأن الله يجيز شهادتهم ، ويغفر لهم وله ما يعلم لما لا يعلمون.

    فمقتضى حسن الظنّ أن يجريه الله للظانّ ولمن ظنّ به الخير ، إلا أن يمنعمانع قوي من جريانه في من ظنّ به ، فيجريه الله للظانّ.
    كما في بعض الأخبار أنّالرجل قد يكرم رجلاً على أنه من أهل الخير ، فيدخله الله بذلك الجنة ، وإن كان فيعلم الله أن ذلك المكرم من أهل النار ، فهذا مما منع فيه المانع القوي من إجراءالظنّ في من ظنّ به فأجري للظانّ.

    والحاصل أنّ من امتثل ما أمر به من حسنالظنّ لإخوانه المؤمنين لا يخيب ، إذ هو إما أن يصدق ظنّـه ويقلب الأمر على وفقظنّه برحمة الله ، أو يجري له ظنّه في حقه ، ولا يضرّه تخلّف ذلك في المظنون بهالخير.

    وهذا باب عظيم في حسن الظنّ بالمؤمنين ، ولعله على هذا ابتني الأمرفي قبول صلاة الجماعة ، فإنّ المأمومين أحسنوا الظنّ بالإمام ، وجعلوه واسطة بينهموبين الله في قبول صلواتهم ، فأعطاهم الله ذلك فقبل صلاة الجميع بحسن الظنّ به.
    إلى غير ذلك من موارد حسن الظنّ ، كالذي يشرب من سؤر المؤمن تبركاً به ، وكماءزمزم فإنه لِمَا شُرب له ، قال الشهيدان: وقد شربه جملة من الأكابر لمقاصد دينيةودنيوية فنالوها . شرح اللمعة الدمشقية:2/329
    فلا تغفل عن أخذ حظك من حسنالظنّ.

    وقد ورد في الدعاء جعله من أفضل الأرزاق التي تطلب ، فقال: اللهمارزقني اليقين ، وحسن الظنّ بك. البحار:95/95..
    وقد ورد في الحديث ما هو أبلغمن ذلك ، وهو أنّ الله يجيز دعوى حسن الظنّ وإن كانت كاذبة.

    فعن الصادق (ع) قال: إذا كان يوم القيامة جيء بعبدٍ فيؤمر به إلى النار فيلتفت ، فيقول الله سبحانهوتعالى: ردّوه.
    فلما أتى به قال له: عبدي لِمَ التفتّ إليّ؟..
    فيقول: يا ربما كان ظنّي بك هذا!..
    فيقول الله جلّ جلاله: فما كان ظنّك؟..
    فيقول: ياررب !.. كان ظنّي بك أن تغفر لي وتسكنني برحمتك جنتك.
    قال: فيقول الله جلّجلاله: يا ملائكتي ، وعزتي وجلالي ، وآلائي وبلائي ، وارتفاعي في مكاني ، ما ظن بيهذا ساعة من خير قط ، ولو ظنّ بي ساعة من خير ما روّعته بالنار ، أجيزوا له كذبهوأدخلوه الجنة. انتهى الحديث . الجواهر السنية:270(3)

    (3) ان هذه الرواية من الروايات التي تبعث الامل الكبير فيالنفوس .. فانظر الى هذه الرحمة المستغرقة لادنى القابليات التي تدعى حسن الظنإدعاءً ، فكيف بمن يدعيه صدقا؟!.. وكيف بمن يمارسه تطبيقا في الحياة الدنيا؟!.. ونرجع فنقول : كَم مِنَ الذين يلتفتون إلى مثل مقالة ذلك العبد يوم القيامة ؟ ..ولوالتفت اليها جميع أهل المحشر لنجوا بذلك !.. ولكنه تعالى هو الذي يلقن العبد حجتهيوم لقائه ، لما رأي منه في دار الدنيا ما يوجب له هذا اللطف في ذلك اليومالعصيب.(المحقق )

    فتأمّل فيه ترى ما لا يوصف ، وبهذا الحديث الشريف وملاحظة أمثاله من مظان المواهبالإلهية ، والنفحات الربانية ، يتقوّى جانب من أن يكون ما عندنا من الظنون الحسنة ،والآمال بمواهب ذي الجلال ، مندرجة تحت حسن الظن بالله ، إذ هي إن لم تكن منه فلاأقلّ من أن تكون من أفراده الادعائية ، وقد عرفت إنه بكرمه يجي

    زها ويعاملها معاملةالأفراد الحقيقية ، وحكمه في الدارين واحد {>ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} . سورة الملك/3

    واعلم أن حسن الظنّ ليس مقتضاه الخلود إلى الراحة ، وتركالعمل معللاً بحسن الظنّ بالله ، فإن هذا من خدع الشيطان الرجيم - أعاذنا الله منهوجميع المؤمنين بمحمد وآله الطاهرين - بل مقتضاه الانجذاب إلى ما عند الله ، وشدةالرغبة في مواهب االله ، فإن من أنس بمواهب الله جذبه الطمع ، وهانت عنده الشدائد ،ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.(4)

    (4) ان هذه الرواية من الروايات التي تبعث الامل الكبير فيالنفوس .. فانظر الى هذه الرحمة المستغرقة لادنى القابليات التي تدعى حسن الظنإدعاءً ، فكيف بمن يدعيه صدقا؟!.. وكيف بمن يمارسه تطبيقا في الحياة الدنيا؟!.. ونرجع فنقول : كَم مِنَ الذين يلتفتون إلى مثل مقالة ذلك العبد يوم القيامة ؟ ..ولوالتفت اليها جميع أهل المحشر لنجوا بذلك !.. ولكنه تعالى هو الذي يلقن العبد حجتهيوم لقائه ، لما رأي منه في دار الدنيا ما يوجب له هذا اللطف في ذلك اليوم العصيب.( المحقق )

    وعن مولانا الرضا (ع) قال: إنّ الله أوحى إلى داود (ع) قال: إنّ العبد من عبادييأتيني بالحسنة فأدخله الجنة.
    قال: يا رب ، وما تلك الحسنة؟..
    قال: يفرّجعن المؤمن كربة ولو بشق تمرة.
    فقـال داود (ع) : حـق لمن عرفك أن لا ينقطع رجاؤهمنك. [العيون:1/313 ، الجواهر السنيّة:79] .. انتهى.
    فإذا كان عزّ وجلّ يعطيهذه الجنة العظيمة التي عرضها السماوات والأرض بشق تمرة ، وفي بعض الروايات أنهيحكم بالجنة بشق تمرة.
    فبالله عليك كيف يسوغ ترك المعاملة مع هذا الكريم ،والتغافل عن معاملته طرفة عين؟.. وبأي شيء يستبدل عنه؟.. ومن فاتته لحظة لم يقبلفيها على الله فأي شيء يكون عوض ما فاته؟!.. هيهات !.. هيات!.. لقد فاته شيء لا عوضله ، وغبن غبناً لا جبر له.

    ومن أجل هذا المعنى وشدة رأفة الله بعبادهالمؤمنين ، جاءت الشريعة الغرّاء بترتيب المثوبات العظيمة على حركات المؤمنينوسكناتهم ، وحتى علّم علي بن الحسين (ع)شيعته الدعاء بقوله:

    اللهم !.. اجعلهمسات قلوبنا ، وحركات أعضائنا ، ولمحات أعيننا ، ولهجات ألسنتنا في موجباتثوابك<. الصحيفة السجادية:60
    وقال (ع)في بعض أدعيته:
    وأستغفرك من كلّلذّةٍ بغير ذكرك .( المناجاة الخمسة عشر)

    فمراد الله سبحانه في عبادهالمؤمنين ، أن لا يخسروا خسراناً لا جبر له بالغفلة عن معاملته ، وفقد أجرته طرفةعين.
    ولهذا جعل الطرق إليه بعدد أنفاس الخلائق بحيث أنّ >من شرب الماء وذكرالحسين (ع) وأهل بيته ولعن قاتله ، كتب الله له مائة ألف حسنة ، ومحى عنه مائة ألفسيئة ، ورفع له مائة ألف درجة ، وكان كأنما أعتق مائة ألف نسمة ، وبعثه الله يومالقيامة ثلج الفؤاد< . الكافي : 6/193..

    أترى صاحب هذا العطاء ، والمُعدلهذا الجزاء يرضى أن يضيع على عبده - المحتاج إليه وهو الغني المطلق - نفساً منأنفاسه؟!..
    حاشا وكلا!.. بل يريد من هذا العبد المسكين أن يكون مقبلاً على ربه، حيث إنه لا خير إلا عنده ، ولا شرف إلا في الإقبال إليه ، فإذا أقبل هو على اللهأقبل هو عليه ، وإذا أقبل عليه عامله بفضله وكرمه وهداه لأن يقصد بكل خطراتهوحركاته وسكناته ونومه ويقظته رضاء ربه ، بما يقتضيه كرمه وجوده ومنّه.

    ومنه ما عن الباقر (ع) قال: إنّ الله أوحى إلى داود (ع): بلّغ قومك أنه ليسمن عبدٍ منهم آمره فيطيعني ، إلا كان حقاً عليّ أن أطيعه وأعينه على طاعتي ، وإنسألني أعطيته ، وإن دعاني أجبته ، وإن اعتصم بي عصمته ، وإن استكفاني كفيته ، وإنتوكّل عليّ حفظته من وراء عــوراته ، وإن كاده جميع خلقي كنت دونه.. انتهى . الجواهر السنية : 74

    وكذلك تأتي رأفته البالغة ورحمته الواسعة ، أن يبالغفي تحذير عبده المسكين عن التخطي إلى ما لا يعنيه فضلاً عما يضرّه.

    وفي بعضالخطابات القدسية على ما في (الجواهر السنية):
    يا بن آدم !.. إذا وجدت قساوة فيقلبك ، وسقما في جسمك ، ونقصاً في مالك ، وحريمة في رزقك ، فاعلم أنك قد تكلّمتفيما لا يعنيك . الجواهر السنية : 66
    وهو الفضول من الكلام ، فضلاً عن المحرّمفهــو أضرّ على الإنسان من السمّ ، إذ منتهاه أن يؤثّر في الجسم ، والفضول منالكلام يؤثر قساوة في القلب ، والنقيصة في المال ، والحرمان في الرزق ، مع السقم فيالجسد ، فكيف يرضى له الرب الرؤوف بأن يعرّض نفسه لهذه المهلكة العظيمة.

    بلورد أنّ الله سبحانه يحاسب العبد على فضول النظر ، كما يحاسبه على فضول الكلام.(5)

    (5) وهذا هو مقتضى المراقبة الدقيقة للسلوك في ارقى مراتبه،فان لحظات العيون مما لا يعد عند العامة فعلا ليترتب عليه الحساب ، إذ أن العينتبصر ما لم تغمض سواء أراد صاحبها أم لم يرد.. ولكن المراقب لنفسه يحوّل هذهالعملية اللاإرادية إلى حالة شعورية ..فلا يسلط نظره إلى ما ليس مأمورا به ، فكيفاذا كان منهيا عنه؟!.. بهذا الحديث واشباهه يعلم ان الطريق الى الله تعالى كالصراطيوم القيامة احد من السيف.. ومن هنا صعب الوصول إلا بفضل الله ورحمته.(المحقق )

    فمن أجل أنه لا يريد أن يضيّع على عبده البائس المسكين نظرة من نظراته ، جعل لهالنظر إلى وجه العالم عبادة ، والنظر إلى الكعبة عبادة ، والنظر إلى ذرية رسول الله (ص) عبادة ، والنظر إلى المخلوقات بعين الاعتبار عبادة ، وأي عبادة !.. فإنهالتفكير الذي ساعة منه تعدل عبادة ستين سنة { فأينما تولوا فثم وجه الله } . البقرة/115

    وعن الصادق جعفر بن محمد بن علي ، عن أبيه ، عن آبائه (ع) ، عنالنبي (ص) قال:
    أوحى الله تعالى إلى داود (ع) : يا دواود !.. وكما لا تضيقالشمس على من جلس فيها ، كذلك لا تضيق رحمتي على من دخل فيها ، وكما لا تضرّالطِّيرة من لا يتطير ، كذلك لا ينجو من الفتنة المتطيّرون. [ الجواهر السنية : 77] .. انتهى.

    وهذا الخطاب الإلهي القدسي من أكبر وأعظم الشواهد على ما أصّلناهمن أن المتطير لسوء ظنه بربّه لا ينجو من الفتنة ، فيقع في الهلكة ، ومن لا يتطيّرلحسن ظنّه بربّه لا تضرّه الأشياء التي يُتطيّر منها ، وتُدفع عنه ببركات حسن الظنبالله.

    ومن دخل في رحمة الله بالانقطاع (6).....

    (1) إن تعبير المصنف في هذا الموضع تعبير رائع .. فمن ناحيةجعل الدخول إلى أخبارهم من موجبات الرحمة الإلهية ، فإن نفس الميل إلى أخبارهموالأنس بما ورد عنهم من علامات المسانخة لطينتهم ، والاستعداد لتلقي الفيض منهم ،وإلا فإن النفوس الاجنبية لا تألف هذه الكلمات الصادرة ممن اتصلوا بعالم الغيب.. ومن ناحية اخرى اكد على ضرورة الانقطاع إليهم ، فكيف يهتدي الى طريق الله الاعظم منلم يستوعب حقيقة الولاية الالهية المتمثلة في النبي (ص) وأوصيائه (ع) ؟!..إن هذهالنفوس التي لم تفهم أكثر الحقائق بداهةً في عالم المعرفة – اذ ما نودي بشيء مثلمانودي بالولاية (الكافي ج 2 ص 18) – كيف لها أن تفهم دقائق السير إلى رب الأرباب؟!.. (المحقق )

    ....... إلى أخبار أهل البيت (ع) ، واقتفى آثارهم لم تضق عليه ، بل لا تزال تتسع وتنفتح له الأبواب التي كل باب ينفتح منه ألف باب ، حتى يوصله إلى مقام انشراح الصدر بنور العلم والمعرفة ، وهو من أفضل ما أثنى الله على نبيه (ص) حيث يقول:
    { ألم نشرح لك صدرك } . الإنشراح/1

    فإذا مَنَّ الله عليه بالوصول إلى هذه الرتبة ، فهو من الذين لا يصلهم بلاء الدنيا ، ولا بلاء الآخرة ، وبمعنى أنه لو أصابه نوع من البلاء فهو عند غيره بلاء ، وبحسب نظر الناس ، وإلا فهو عنده في جنب ما عرّفه الله من إيصاله إلى رضاء الله ، وبحسب ما يطلب منه من المراتب السامية عند الله تعالى، من أكبر الملاذ وأهنأ العطاء.

    ولذا كان بعض خواص الحسين (ع) من أهل الطف ، كلما اشتد عليهم البلاء تشرق وجوههم ، وتستبشر نفوسهم ، رزقنا الله وإياكم هذه المقامات ، وأين أبناء الملوك عن هذه اللذات ، وحسبنا الله ونِعْمَ الوكيل ، ونِعْمَ المولى ونعم النصير .


  3. #13
    عـضـو V.I.P
    الحاله : كريم الحيدري متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2012
    رقم العضوية: 2250
    الجنس: ذكر
    المشاركات: 2,295
    الدولة: علم دولة العضو
    كريم الحيدري will become famous soon enough كريم الحيدري will become famous soon enough
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    عدد الترشيحات : 7
    عدد المواضيع المرشحة : 6
    رشح عدد مرات الفوز : 3

    رد: الطريق إلى الله تعالى

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    10
    10 في إيضاح عجزالإنسان من حيث هو
    أيها الأخ الغافل عن إصلاح نفسه ، والمتغافل عن حقيقة أمره !.. إنّلك أيّها المسكين جهتين واعتبارين :

    أحدهمامن حيث نفسك وذاتك ، ومن حيث أنت أنت ، وإلى هذه الجهة غالب نظرك وملاحظتك ،وأنت من هذه الجهة فانٍ مضمحل زائل لا قدر لك ولا قيمة ولا اعتداد بك ، ولا مبالاةبك ولا احتفال ، بل لست شيئاً مذكوراً.
    والجهة الثانيةلك من حيث أنك متعلّق القدرة الإلهية ، ومظهر العظمة الربانية ، ومخلوق لهذاالخالق العظيم الشأن عزَّ وجل َّ، وبهذه الجهة صرت مرتبطاً بكل العالم من العرش إلىالثرى ، ومن السماء السابعة العليا إلى الأرض السابعة السفلى ، فضلاً عما بينالمشرق والمغرب ، وجميع من في أقطار الأرض.

    فإن أنت فعلت بنفسك خيراً أثّرتفي جميع العالم خيراً ، وبالعكس (1) فإن أشكل عليك.....


    (1) هذه العبارة على إيجازها ، تكشف السرّ عن حقيقة تأثير بعضالأولياء في الأمور بإذن الله تعالى ، بما لا يمكن إنكاره لكثرة وقوعه وتواتر نقلهقديماً وحديثاً .. فإنّ العبد إذا صار محبوباً لمولاه فإنّ شؤون ذلك العبد كلهامحبوبة لديه ومنها إرادته للشيء ودعاؤه ، فإنّ الله تعالى - لشدة حبّه له - يجعلإرادته الربوبية مطابقة لإرادة عبده المستوجبة للإجابة لو خلى الأمر من الموانع .. ومن هنا جعل الله تعالى الإحياء - وهو من أعجب الأمور - منتسباً إلى المسيح بإذنه ،وهذه هي المعادلة التي ترفع الاستغراب عما يقع من خرق العادة في جميع الموارد التيصح فيها النقل.. ( المحقق )

    .....ذلك ، فإنّ لك مثالاً تحت العرش يعمل مثل ما تعمل ، فإن عملت قبيحاً ألقى اللهعلى مثالك ستراً وغطاه ، لئلا تفتضح عند أهل العرش.

    وإن عملت حسناً أظهرهالله لهم وهو معنى قوله: يا من أظهر الجميل وستر القبيح على ما رواه شيخنا البهائيفي مفتاحه عن الصادق (ع) أنه قال:
    ما من مؤمن إلا وله مثال في العرش ، فإذااشتغل بالركوع والسجود ونحوهما فعل مثاله مثل فعله ، فعند ذلك تراه الملائكة فيصلونويستغفرون له ، وإذا اشتغل العبد بمعصية أرخى الله على مثاله ستراً لئلا تطلعالملائكة عليها . مفتاح الفلاح : 156

    وكذلك لا شك أن أعمالك كل يوم ، وكلصباح ، وكل مساء ، تعرض على النبي صلى الله عليه وآله ، وعلى الأئمة (ع) ، خصوصاصاحب العصر - عجّل الله فرجه - ولي الأمر.
    فما كان منها حسنا سرّهم ، حتى قالأحدهم: والله لرسول الله (ص) أسرّ بالحاجة يقضيها المؤمن لأخيه من صاحب الحاجة . الكافي : 2/156

    ولا شكّ أنّ النبي (ص) ، وأهل بيته أقطاب العالم وأركانه ،والعالم كله رعية ، من الملائكة وغيرهم ، فمن أدخل السرور على سلطان العالم فقد أثرفي الرعية كلها سروراً ، تبعاً لسرور الملك والسلطان ، فيضجّ العالم بالدعاء لهذاالعبد المحسن: سرّك الله كما سررتنا.

    وإن أساء أساء النبي صلى الله عليهوآله وأهل بيته ، ولذا تجف الأشجار ، وتفسد الثمار ، وتقلّ الأمطار ، وتغلىالأسعار.

    وقد بان لك أيها المسكين !.. تأثير طاعتك ومعصيتك في كل العالم ،فضلاً عن خصوص الملائكة الموكلين بك ، وفضلاً عما تقدمت الإشارة إليه من تأثيرالطاعة والمعصية في الأعقاب ، وفي أعقاب الأعقاب ، ومن وصول النفع لكل المؤمنين ممنمضى وممن بقي ممن يقول:
    اللهم !.. اغفر للمؤمنين والمؤمنات حتى ورد: أن جميعالمؤمنين والمؤمنات يشفعون لمن يقول ذلك ويقولون: هذا الذي كان يستغفر لنا . الوسائل : 4/151
    ورد في الأخبار: أنّ العالم يستغفر له من في السماوات ومن فيالأرض حتى الحيتان في البحار . الكافي : 1/34
    وقال سبحانه: { الذين يحملونالعرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا } . [ غافر/7 ] .. ولا يخفى أنّ من يكون مجتهدا مشهوراً ينتفع بتقليده من في المشرق ومن في المغرب، كما ينتفعون بكتبه ومصنفاته ، وسائر أنواع هدايته وإرشاداته في حياته وبعد وفاته.

    فإذاً قد ظهر لك سريان تأثيرك في كلّ العالم من الجهة الثانية فيك ، وكونكمتعلّق القدرة الإلهية ، ومظهر العظمة ، فكيف يسوغ أيها المسكين فلتك وتغافلك ،ملتفتاً إلى الجهة الأولى التي لست بها شيئاً مذكوراً !..

    ولقد صدق مولاناأمير المؤمنين (ع)حيث يقول:
    دواؤك فيك ولا تبصـر ----- وداؤك منك ولا تشـعر
    اتحسب انك جرم صغير----- وفيك انطوى العالم الاكبر
    وانت الكتاب المبين الذي ----- بآياته يظهر المضـمر
    ديوان أمير المؤمنين (ع)/175
    ولئن أهملت نفسكفما ربك بمهمل لك ، قال الله تعالى :
    {
    أيحسب الإنسان أن يترك سدى } . القيامة/36

    فتيقّظ أيها الغافل !.. والحظْ الجهة الثانية التي صرت بهاإنسانا ً، وكذلك سمّاك ربك ، فإن كنت ترى نفسك من أهل الشقاوة ، وعن السعادة نائياً، فاعلم أيها المسكين أنّ الله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.

    واحذرأن تكون شيطاناً في صورة إنسان ، واعلم أنك إن اخترت لنفسك ذلك فقد أضعت توجّهالعناية الإلهية إليك ، وأفسدت العالم كله بفسادك ، وكدّرت قلوب الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين ، وجميع أهل السموات والأرضين ، وضجّت الأرض إلى الله من مشيكعليها ، والسماء من استظلالك بها.

    وورد أن الأرض تضجّ إلى الله من بولالأغلـف أربعين صباحاً [ البحار : 101/110 ] .. وهو فعل مكروه من المكروهات فكيفبك؟..

    وبالجملة يا مسكين أنت مبارز لله ، وجميع من هو ملك لله تعالى أعداءلك ، فأين تذهب عن ملكه (2) وجميع مخلوقاته تطلب الاذن منه بالانتقام منك ، فأنّىبمقاومتها....


    (2) إنها حقّاً لحقيقة مخيفة وهي ليست من المعاني الإنشائيةالتخيلية ، إذ أنّ كل ما في الوجود – ما عدا الإنسان – منقادٌ لله تعالى بطبعه ،ومن المعلوم أنّ الشاذ عن حركة الوجود في الطاعة محاربٌ لربّ العالمين ، وهو الذيله جنود السماوات والأرض ، وهل وظيفة الجند إلا امتثال أمر من هم جنودٌ مجندةٌ بينيديه ؟!.. وعليه فإنّ بقاء العاصين في أمنٍ وسلامةٍ ، إنما بتدخلٍ من الربّ الرؤوففي منع جنوده من الانتقام من أعدائه .. وما نار جهنم وإحاطتها بالكافرين إلا صورةمن صور جنود الربّ ، إذ أُذن لها في الانتقام ، ومن هنا كان لسان حالها : هل منمزيد ؟!..( المحقق )

    ..... كلها ، وأنت الضعيف الحقير ، ومن يؤويك وقد بارزته وحاربته ، فلا مفرّ لك منهإلا إليه { ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين } . الذاريات/50
    وكلّ من خافمن أحد هرب منه إلا الخائف من الله فإنه يهرب إليه ، فإن أنت هربت إليه عزّ وجلّفاستمع لما رواه الصادق (ع) عن جده رسول (ص) عن الله عزّ وجلّ أنه يقول:
    لاأطلع على قلب عبدٍ ، فأعلم فيه حبّ الإخلاص لطاعتي ، وابتغاء وجهي ، إلا تولّيتتقويمه وسياسته . الجواهر السنية : 133

    وعن النبي (ص) عن الله عزّ وجلّقال:
    إذا علمت أن الغالب على عبدي الاشتغال بي ، نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي، فإذا كان عبدي كذلك فأراد أن يسهو حلت بينه وبين أن يسهو ، أولئك أوليائي حقاً ،أولئك الأبطال حقا ً، أولئك الذين إذا أردت أن أهلك أهل الأرض بعقوبة زويتها عنهممن أجل أولئك الأبطال . البحار : 90/162

    انتهى هذا الحديث الشريف ، أنظرإليه كيف اشتمل آخره على أن الله كيف يدفع العقوبة والهلكة عن أهل الأرض بوجودأولئك الأولياء ، فنفس وجودهم صدقة عن العالم ، حيث كان باعثاً على حفظهم منالهلكة.

    وبالجملة فهذا العالم مرتبط بعضه ببعض ، وهو بمنزلة الشخص الواحدإذا دخل ألم في عضو من أعضائه سرى إلى الكل ، فإذا نزل ذلك الألم عن ذلك العضو فقدأراح الكل من ذلك الألم.

    وورد في الحديث أن العبد إذا حمد الله شمله ذلكالدعاء من كل المصلين ، لأن المصلين يقولون: ( سمع الله لمن حمده ). الوسائل : 4/2
    فانظر إلى العبد كيف ارتبط بكل المصلين في العالم ، ودخل تحت دعائهم بكلمةواحدة.
    كذلك من عمل عملاً باتقان ، دخل تحت دعاء النبي صلى الله عليه وآلهبقوله: رحم الله من عمل عملاً فأتقنه . كنز العمال : 9128

    ولا ريب أنّ دعاءالنبي (ص) مستجابٌ ، ومن أدركته الرحمة من الله نجى من الهلكة.
    ومن في هذاالعصر يتمنون ويشتاقون أن يكونوا في عصر النبي (ص) حتى تدركهم منه دعوة ، ويتخيلونأن هذا أمر قد فات ، ولا تدارك له ، وهو اشتباه ، فإنّ تعرضهم لدعاء النبي (ص) ووصوله إليهم ممكن في هذا العصر بأيسر وجه كالذي قلنا:
    من عمل عملاً بإتقان ،فيدخل تحت دعاء النبي صلى الله عليه وآله بالرحمة.
    ومن كان يصوم يوما من شعبانمثلاً ، فيدخل تحت دعاء النبي (ص) بقولـه: شعبان شـهري ، رحـم الله من أعـانني علىشـهري . الوســائل : 10/492

    وحاشا النبي صلى الله عليه وآله أن يحرم أهلهذا الوقت من بركات دعائه الشريف ، بل وقد وضع أدعية شريفة لأهل عناوين عامة ، فمنشاء أدخل نفسه تحت عنوان من تلك العناوين الشريفة ، فيشمله ذلك الدعاء المستجاب.

    أنظر إلى نفسك يا أخي كيف عرّضك لرحمته بالدخول تحت هذه العناوين الشريفة ،التي هيأت لك لأن تدخل نفسك فيها ، وأنت بغفلتك وتغافلك تريد أن تدخل نفسك تحتعناوين خبيثة ، يتوجّه إليك كل من في العالم بالدعاء عليك.
    فإنه من كدّر مؤمناًمن المؤمنين كدّر رسول الله (ص) لذلك ، ثم عليا (ع) ، ثم الحسن ، ثم الحسين ، ثمالأئمة (ع) ، ثم من في العالم كلّه ، فيضجّ عليـك العالم ضجة واحـدة: كـدّرك اللهكما كدّرتنا . الكافي : 1/90..

    فيا أخي !.. شأنك عظيم ، وخطرك جسيم ، وأنتبين حالتين في كل أطوارك وأحوالك : إما أن تُقبل على الله ، أو تعرض عنه (3) .....


    (3) إنّ هذا المعنى من المعاني التي لو استوعبها العبد علىحقيقته ، لأحدث تغييراً جوهرياً في حياته ، إذ أنّ النفس قد تحدّث صاحبها بالتسويف، لكون العذاب الإلهي في الآخرة أمراً مؤجّلاً ..ولكن كيف يهمل الإعراض الإلهيالمعجّل عند المعصية .. فهذا إمامنا السجاد (ع) يقول لأهله بعد أن سقط ولدها فيالبئر والإمام (ع) مقبلٌ على صلاته : لو ملت بوجهي عنه لمال بوجهه عني ، فمن ترينأرحم بعبده منه ؟.. ( دلائل الإمامة ص198 ) .. وهذه حقيقةٌ واضحةٌ عند الخواص وهيأنّ الإعراض الإلهي أشدّ إيلاماً للعبد من عقوبة البدن ..( المحقق )

    .....فإن أقبلت عليه أقبل هو عليك ، وإن أعرضت عنه أعرض عنك ، وأعرض لأعراضه عنك كل شيء ، وأنت بينهما لا تنفك عنهما.
    فيا من هو على المقبلين عليه مقبل ، وبالعطف عليهم عائد متفضّل ، أرزقنا اللهم التوفيق لما يوجب دوام الإقبال عليك ، ودوام إقبالك علينا ، وحسن أدبنا بين يديك ، إنك أرحم الراحمين ، وصلى الله على محمد خير خلقه وآله الطيبين الطاهرين.



  4. #14
    عـضـو V.I.P
    الحاله : كريم الحيدري متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2012
    رقم العضوية: 2250
    الجنس: ذكر
    المشاركات: 2,295
    الدولة: علم دولة العضو
    كريم الحيدري will become famous soon enough كريم الحيدري will become famous soon enough
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    عدد الترشيحات : 7
    عدد المواضيع المرشحة : 6
    رشح عدد مرات الفوز : 3

    رد: الطريق إلى الله تعالى

    10 الباب الخامس : في إيضاح عجزالإنسان من حيث هو

    أيها الأخ الغافل عن إصلاح نفسه ، والمتغافل عن حقيقة أمره !.. إنّلك أيّها المسكين جهتين واعتبارين :

    أحدهمامن حيث نفسك وذاتك ، ومن حيث أنت أنت ، وإلى هذه الجهة غالب نظرك وملاحظتك ،وأنت من هذه الجهة فانٍ مضمحل زائل لا قدر لك ولا قيمة ولا اعتداد بك ، ولا مبالاةبك ولا احتفال ، بل لست شيئاً مذكوراً.
    والجهة الثانيةلك من حيث أنك متعلّق القدرة الإلهية ، ومظهر العظمة الربانية ، ومخلوق لهذاالخالق العظيم الشأن عزَّ وجل َّ، وبهذه الجهة صرت مرتبطاً بكل العالم من العرش إلىالثرى ، ومن السماء السابعة العليا إلى الأرض السابعة السفلى ، فضلاً عما بينالمشرق والمغرب ، وجميع من في أقطار الأرض.

    فإن أنت فعلت بنفسك خيراً أثّرتفي جميع العالم خيراً ، وبالعكس (1) فإن أشكل عليك.....


    (1) هذه العبارة على إيجازها ، تكشف السرّ عن حقيقة تأثير بعضالأولياء في الأمور بإذن الله تعالى ، بما لا يمكن إنكاره لكثرة وقوعه وتواتر نقلهقديماً وحديثاً .. فإنّ العبد إذا صار محبوباً لمولاه فإنّ شؤون ذلك العبد كلهامحبوبة لديه ومنها إرادته للشيء ودعاؤه ، فإنّ الله تعالى - لشدة حبّه له - يجعلإرادته الربوبية مطابقة لإرادة عبده المستوجبة للإجابة لو خلى الأمر من الموانع .. ومن هنا جعل الله تعالى الإحياء - وهو من أعجب الأمور - منتسباً إلى المسيح بإذنه ،وهذه هي المعادلة التي ترفع الاستغراب عما يقع من خرق العادة في جميع الموارد التيصح فيها النقل.. ( المحقق )

    .....ذلك ، فإنّ لك مثالاً تحت العرش يعمل مثل ما تعمل ، فإن عملت قبيحاً ألقى اللهعلى مثالك ستراً وغطاه ، لئلا تفتضح عند أهل العرش.

    وإن عملت حسناً أظهرهالله لهم وهو معنى قوله: يا من أظهر الجميل وستر القبيح على ما رواه شيخنا البهائيفي مفتاحه عن الصادق (ع) أنه قال:
    ما من مؤمن إلا وله مثال في العرش ، فإذااشتغل بالركوع والسجود ونحوهما فعل مثاله مثل فعله ، فعند ذلك تراه الملائكة فيصلونويستغفرون له ، وإذا اشتغل العبد بمعصية أرخى الله على مثاله ستراً لئلا تطلعالملائكة عليها . مفتاح الفلاح : 156

    وكذلك لا شك أن أعمالك كل يوم ، وكلصباح ، وكل مساء ، تعرض على النبي صلى الله عليه وآله ، وعلى الأئمة (ع) ، خصوصاصاحب العصر - عجّل الله فرجه - ولي الأمر.
    فما كان منها حسنا سرّهم ، حتى قالأحدهم: والله لرسول الله (ص) أسرّ بالحاجة يقضيها المؤمن لأخيه من صاحب الحاجة . الكافي : 2/156

    ولا شكّ أنّ النبي (ص) ، وأهل بيته أقطاب العالم وأركانه ،والعالم كله رعية ، من الملائكة وغيرهم ، فمن أدخل السرور على سلطان العالم فقد أثرفي الرعية كلها سروراً ، تبعاً لسرور الملك والسلطان ، فيضجّ العالم بالدعاء لهذاالعبد المحسن: سرّك الله كما سررتنا.

    وإن أساء أساء النبي صلى الله عليهوآله وأهل بيته ، ولذا تجف الأشجار ، وتفسد الثمار ، وتقلّ الأمطار ، وتغلىالأسعار.

    وقد بان لك أيها المسكين !.. تأثير طاعتك ومعصيتك في كل العالم ،فضلاً عن خصوص الملائكة الموكلين بك ، وفضلاً عما تقدمت الإشارة إليه من تأثيرالطاعة والمعصية في الأعقاب ، وفي أعقاب الأعقاب ، ومن وصول النفع لكل المؤمنين ممنمضى وممن بقي ممن يقول:
    اللهم !.. اغفر للمؤمنين والمؤمنات حتى ورد: أن جميعالمؤمنين والمؤمنات يشفعون لمن يقول ذلك ويقولون: هذا الذي كان يستغفر لنا . الوسائل : 4/151
    ورد في الأخبار: أنّ العالم يستغفر له من في السماوات ومن فيالأرض حتى الحيتان في البحار . الكافي : 1/34
    وقال سبحانه: { الذين يحملونالعرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا } . [ غافر/7 ] .. ولا يخفى أنّ من يكون مجتهدا مشهوراً ينتفع بتقليده من في المشرق ومن في المغرب، كما ينتفعون بكتبه ومصنفاته ، وسائر أنواع هدايته وإرشاداته في حياته وبعد وفاته.

    فإذاً قد ظهر لك سريان تأثيرك في كلّ العالم من الجهة الثانية فيك ، وكونكمتعلّق القدرة الإلهية ، ومظهر العظمة ، فكيف يسوغ أيها المسكين فلتك وتغافلك ،ملتفتاً إلى الجهة الأولى التي لست بها شيئاً مذكوراً !..

    ولقد صدق مولاناأمير المؤمنين (ع)حيث يقول:
    دواؤك فيك ولا تبصـر ----- وداؤك منك ولا تشـعر
    اتحسب انك جرم صغير----- وفيك انطوى العالم الاكبر
    وانت الكتاب المبين الذي ----- بآياته يظهر المضـمر
    ديوان أمير المؤمنين (ع)/175
    ولئن أهملت نفسكفما ربك بمهمل لك ، قال الله تعالى :
    {
    أيحسب الإنسان أن يترك سدى } . القيامة/36

    فتيقّظ أيها الغافل !.. والحظْ الجهة الثانية التي صرت بهاإنسانا ً، وكذلك سمّاك ربك ، فإن كنت ترى نفسك من أهل الشقاوة ، وعن السعادة نائياً، فاعلم أيها المسكين أنّ الله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.

    واحذرأن تكون شيطاناً في صورة إنسان ، واعلم أنك إن اخترت لنفسك ذلك فقد أضعت توجّهالعناية الإلهية إليك ، وأفسدت العالم كله بفسادك ، وكدّرت قلوب الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين ، وجميع أهل السموات والأرضين ، وضجّت الأرض إلى الله من مشيكعليها ، والسماء من استظلالك بها.

    وورد أن الأرض تضجّ إلى الله من بولالأغلـف أربعين صباحاً [ البحار : 101/110 ] .. وهو فعل مكروه من المكروهات فكيفبك؟..

    وبالجملة يا مسكين أنت مبارز لله ، وجميع من هو ملك لله تعالى أعداءلك ، فأين تذهب عن ملكه (2) وجميع مخلوقاته تطلب الاذن منه بالانتقام منك ، فأنّىبمقاومتها....


    (2) إنها حقّاً لحقيقة مخيفة وهي ليست من المعاني الإنشائيةالتخيلية ، إذ أنّ كل ما في الوجود – ما عدا الإنسان – منقادٌ لله تعالى بطبعه ،ومن المعلوم أنّ الشاذ عن حركة الوجود في الطاعة محاربٌ لربّ العالمين ، وهو الذيله جنود السماوات والأرض ، وهل وظيفة الجند إلا امتثال أمر من هم جنودٌ مجندةٌ بينيديه ؟!.. وعليه فإنّ بقاء العاصين في أمنٍ وسلامةٍ ، إنما بتدخلٍ من الربّ الرؤوففي منع جنوده من الانتقام من أعدائه .. وما نار جهنم وإحاطتها بالكافرين إلا صورةمن صور جنود الربّ ، إذ أُذن لها في الانتقام ، ومن هنا كان لسان حالها : هل منمزيد ؟!..( المحقق )

    ..... كلها ، وأنت الضعيف الحقير ، ومن يؤويك وقد بارزته وحاربته ، فلا مفرّ لك منهإلا إليه { ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين } . الذاريات/50
    وكلّ من خافمن أحد هرب منه إلا الخائف من الله فإنه يهرب إليه ، فإن أنت هربت إليه عزّ وجلّفاستمع لما رواه الصادق (ع) عن جده رسول (ص) عن الله عزّ وجلّ أنه يقول:
    لاأطلع على قلب عبدٍ ، فأعلم فيه حبّ الإخلاص لطاعتي ، وابتغاء وجهي ، إلا تولّيتتقويمه وسياسته . الجواهر السنية : 133

    وعن النبي (ص) عن الله عزّ وجلّقال:
    إذا علمت أن الغالب على عبدي الاشتغال بي ، نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي، فإذا كان عبدي كذلك فأراد أن يسهو حلت بينه وبين أن يسهو ، أولئك أوليائي حقاً ،أولئك الأبطال حقا ً، أولئك الذين إذا أردت أن أهلك أهل الأرض بعقوبة زويتها عنهممن أجل أولئك الأبطال . البحار : 90/162

    انتهى هذا الحديث الشريف ، أنظرإليه كيف اشتمل آخره على أن الله كيف يدفع العقوبة والهلكة عن أهل الأرض بوجودأولئك الأولياء ، فنفس وجودهم صدقة عن العالم ، حيث كان باعثاً على حفظهم منالهلكة.

    وبالجملة فهذا العالم مرتبط بعضه ببعض ، وهو بمنزلة الشخص الواحدإذا دخل ألم في عضو من أعضائه سرى إلى الكل ، فإذا نزل ذلك الألم عن ذلك العضو فقدأراح الكل من ذلك الألم.

    وورد في الحديث أن العبد إذا حمد الله شمله ذلكالدعاء من كل المصلين ، لأن المصلين يقولون: ( سمع الله لمن حمده ). الوسائل : 4/2
    فانظر إلى العبد كيف ارتبط بكل المصلين في العالم ، ودخل تحت دعائهم بكلمةواحدة.
    كذلك من عمل عملاً باتقان ، دخل تحت دعاء النبي صلى الله عليه وآلهبقوله: رحم الله من عمل عملاً فأتقنه . كنز العمال : 9128

    ولا ريب أنّ دعاءالنبي (ص) مستجابٌ ، ومن أدركته الرحمة من الله نجى من الهلكة.
    ومن في هذاالعصر يتمنون ويشتاقون أن يكونوا في عصر النبي (ص) حتى تدركهم منه دعوة ، ويتخيلونأن هذا أمر قد فات ، ولا تدارك له ، وهو اشتباه ، فإنّ تعرضهم لدعاء النبي (ص) ووصوله إليهم ممكن في هذا العصر بأيسر وجه كالذي قلنا:
    من عمل عملاً بإتقان ،فيدخل تحت دعاء النبي صلى الله عليه وآله بالرحمة.
    ومن كان يصوم يوما من شعبانمثلاً ، فيدخل تحت دعاء النبي (ص) بقولـه: شعبان شـهري ، رحـم الله من أعـانني علىشـهري . الوســائل : 10/492

    وحاشا النبي صلى الله عليه وآله أن يحرم أهلهذا الوقت من بركات دعائه الشريف ، بل وقد وضع أدعية شريفة لأهل عناوين عامة ، فمنشاء أدخل نفسه تحت عنوان من تلك العناوين الشريفة ، فيشمله ذلك الدعاء المستجاب.

    أنظر إلى نفسك يا أخي كيف عرّضك لرحمته بالدخول تحت هذه العناوين الشريفة ،التي هيأت لك لأن تدخل نفسك فيها ، وأنت بغفلتك وتغافلك تريد أن تدخل نفسك تحتعناوين خبيثة ، يتوجّه إليك كل من في العالم بالدعاء عليك.
    فإنه من كدّر مؤمناًمن المؤمنين كدّر رسول الله (ص) لذلك ، ثم عليا (ع) ، ثم الحسن ، ثم الحسين ، ثمالأئمة (ع) ، ثم من في العالم كلّه ، فيضجّ عليـك العالم ضجة واحـدة: كـدّرك اللهكما كدّرتنا . الكافي : 1/90..

    فيا أخي !.. شأنك عظيم ، وخطرك جسيم ، وأنتبين حالتين في كل أطوارك وأحوالك : إما أن تُقبل على الله ، أو تعرض عنه (3) .....


    (3) إنّ هذا المعنى من المعاني التي لو استوعبها العبد علىحقيقته ، لأحدث تغييراً جوهرياً في حياته ، إذ أنّ النفس قد تحدّث صاحبها بالتسويف، لكون العذاب الإلهي في الآخرة أمراً مؤجّلاً ..ولكن كيف يهمل الإعراض الإلهيالمعجّل عند المعصية .. فهذا إمامنا السجاد (ع) يقول لأهله بعد أن سقط ولدها فيالبئر والإمام (ع) مقبلٌ على صلاته : لو ملت بوجهي عنه لمال بوجهه عني ، فمن ترينأرحم بعبده منه ؟.. ( دلائل الإمامة ص198 ) .. وهذه حقيقةٌ واضحةٌ عند الخواص وهيأنّ الإعراض الإلهي أشدّ إيلاماً للعبد من عقوبة البدن ..( المحقق )

    .....فإن أقبلت عليه أقبل هو عليك ، وإن أعرضت عنه أعرض عنك ، وأعرض لأعراضه عنك كل شيء ، وأنت بينهما لا تنفك عنهما.
    فيا من هو على المقبلين عليه مقبل ، وبالعطف عليهم عائد متفضّل ، أرزقنا اللهم التوفيق لما يوجب دوام الإقبال عليك ، ودوام إقبالك علينا ، وحسن أدبنا بين يديك ، إنك أرحم الراحمين ، وصلى الله على محمد خير خلقه وآله الطيبين الطاهرين.


  5. #15
    عـضـو V.I.P
    الحاله : سر الوجود غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Dec 2010
    رقم العضوية: 1529
    الجنس: أنثى
    المشاركات: 1,406
    الدولة: علم دولة العضو
    سر الوجود is on a distinguished road
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    عدد الترشيحات : 2
    عدد المواضيع المرشحة : 0
    رشح عدد مرات الفوز : 1

    رد: الطريق إلى الله تعالى

    بارك الله جهودكم اخي كريم

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    قد تخلو الزجاجة من العطر ..
    ولكن تبقى الرائحة العطرة عالقة بالزجاجة ..
    كما تبقى الذكرى الطيبة عالقة بالقلب ..
    هم أولئك الذين ينقشون حبهم بطيب تعاملهم على جدران قلوبنا ..
    ويصعب علينا أن ننساهم ..
    وأنتم أحــــدهم .. نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


  • #16
    عـضـو V.I.P
    الحاله : كريم الحيدري متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2012
    رقم العضوية: 2250
    الجنس: ذكر
    المشاركات: 2,295
    الدولة: علم دولة العضو
    كريم الحيدري will become famous soon enough كريم الحيدري will become famous soon enough
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    عدد الترشيحات : 7
    عدد المواضيع المرشحة : 6
    رشح عدد مرات الفوز : 3

    رد: الطريق إلى الله تعالى

    10










  • #17
    عـضـو V.I.P
    الحاله : كريم الحيدري متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2012
    رقم العضوية: 2250
    الجنس: ذكر
    المشاركات: 2,295
    الدولة: علم دولة العضو
    كريم الحيدري will become famous soon enough كريم الحيدري will become famous soon enough
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    عدد الترشيحات : 7
    عدد المواضيع المرشحة : 6
    رشح عدد مرات الفوز : 3

    رد: الطريق إلى الله تعالى

    11
    الباب السادس : وكيف يسلك عباد اللهالطريق إليه

    اعلم أنّ كل شيء يهون بالنظر إلى ما فوقه ، وما هو أشدّ منه ، بليضمحل ويفنى ، ولا يكون شيئاً مذكوراً. كالذي تشوكه شوكة فيلدغه عقرب ، فلاريب أن الشوكة تكون عنده نسياً منسياً ، ولا ذكر لها عنده بوجه من الوجوه ، فالباريسبحانه وتعالى قد قهر كل شيء من الأشياء بوجود ما فوقه.

    انظر إلى عظمة أميرالمؤمنين (ع) ، وشدة بأسه وبطشه ، وبلوغه في كل كمال أقصاه ومنتهاه ، كيف يتصاغرعند ذكر محمد(ص) ، ويقرّ على نفسه بالعبوديـة حيث قــال: أنـا عبــد من عبيد محمد (ص). الكافي : 1/89
    وهذه قاعدة محسوسة في سائر الممكنات والموجودات ، فإذا أردتأن تهون عليك الدنيا وشدائدها فانظر إلى ما هو أشد وأصعب ، وتأمّل أن لو أضيف إلىما أنت فيه شدة أخرى مما هو أشدّ عليك كيف كنت تصنع ، فحينئذ يهون عليك ما أنت فيهبالنسبة إلى ما هو فوقه ، وترى تلك الحال نعمة وتقول:
    الحمد لله الذي لم يشددهعليَّ ، ولو شاء لفعل.

    وكذلك إذا أردت أن يهون عليك استحسان ما يتفق لك منالأعمال الحسنة ، بحيث تخلص من الابتهاج الذي هو مادة العجب والافتخار ، فانسبه إلىما هو فوقه من الأعمال الحسنة مما يعملها من هو فوقك ، ومن هو أحسن منك.
    أو أنتإذا ترقيت عن المقام الذي أنت فيه ، فإنك ترى ذلك العمل ذنباً وتقصيراً يحتاج إلىالاعتذار ، وتستحي من نسبته إلى نفسك ، فضلاً عن افتخارك وابتهاجك به.

    وأنتإذا اعتدت هذه الحالة بإذن الله الكريم المتعال سرت إلى الله بلا انقطاع ، إذ ليسلمحبته غاية ولا نهاية ، إذ كلما تدرجت إلى مقام في الإخلاص والعمل ، شاهدت مقاماًأعلى وأبهى وأسنى وأرفع.....(1)


    (1) إنّ الإحساس بالتجليات الإلهية - التي هي من أهم الهبات فيعالم الوجود - نِعْمَ العون على المسير ، فإنّ العبد كلما كُشف له الغطاء في هذاالمجال ازداد شوقاً لما هو أجلى وأحلى ، إذ لا تكرار في التجلّي .. فلكلّ إطلالةٍمن عالم الغيب بهاءٌ وجذبٌ خاصٌّ للعبد تختلف على سابقته ، ومن هنا فإنّ الأولياءالمتنعّمين بلذّة التجليات ، لا يكاد ينتابهم ضيقٌ في الحياة بكلّ مراراتها ، لأنّلذّة الوصل يُنسيهم ألم كلّ فراقٍ ، ولو كان ذلك الفراق عند أهل الدنيا عظيماً.( المحقق )

    .....فإن كنت تريد النهاية به فليس هناك نهاية تصل إليها ، وتقف عندها ، وإن كنتتريد الوقوف من دون مانع عن الترقي فلا يسوغ لك ذلك ، إذ الكريم سبحانه يستدعيكبلطفه وَجُوده إلى القرب منه ، فبأي شيء تستبدل منه !.. وإلى أي شيء تتحول عنه !.. لقد خاب من رضي دونك بدلا ً، ولقد خسر من بغى عنك متحولاً.
    فحيث اتضح بصريحالعقل أنه لا بدّ من السير إلى الله بسلوك سبيل طاعته بلا انقطاع ، فاعلم أن ذلكإنما يتم لك بأن تكون في وقوفك عن الطاعة ملاحظاً وجهاً آخر من وجوه الطاعة ، فإنّالله سبحانه يحب الأخذ برخصته ، كما يحب الأخذ بعزائمه.

    فمن يكون طالباًلمحبة الله سبحانه وتعالى ، يفتح الله له هذا الباب بأن يجعل فعله للعبادة المندوبةالراجحة جالبا لمحبته عزّ وجلّ ، فإنها بالذات كذلك ، وكذلك يحصل بتركه لها في مقاميخشى على نفسه الملل والنفرة عن الطاعة - كما هو مقتضى الطبع البشري - مرخصاً فيهمن الله ، وهو يحب الأخذ برخصته ، فيكون تركها جالبا لمحبته عزّ وجلّ بالعرض ، وإنلم يكن بحسب الذات كذلك.
    فيكون العبد متعرّضاً لمحبته عزّ وجلّ في فعله وتركه ،إنّ هذا لهو الفوز العظيم ، لمثل هذا فليعمل العاملون.

    ويشهد لهذا المعنىاختلاف المروي عن أمير المؤمنين (ع)وعن مولانا الحسن بن علي.
    فعن الأمير (ع) أنه : إذا عرض له أمران كلاهما رضى الله اختار أشدهما على نفسه ، وعن الحسن (ع) أنهيختار أسهلهما على نفسه.
    فالثاني من باب أنّ الله يحب أن يؤخذ برخصته كما يحبأن يؤخذ بعزائمه ، ومن باب الاقتصاد في العبادة ، ومن قولهم:

    إنّ هذا الدينمتين فأوغلوا فيه برفق ، ولا تُكرهوا إلى عباد الله طاعة الله. [ الكافي : 2/70 ] .. ومن باب مخادعة النفس بالجلب إلى طاعة الله.
    والأول وجهه ظاهر فإنه من بابالمخالفة للنفس (2).....


    (2) إنّ تعبير المصنّف ( بكون مخالفة النفس مفتاح البركات ) ليس مبالغاً فيه ، إذ أنّ من قواعد السفر إلى الله تعالى التي لا تنخرم أبداً ، هياستحالة السير من دون السيطرة على زمام النفس ، إذ كيف يمكن سوق دابةٍ ولجامها بيدغير صاحبها .. وعليه فالخطوة الأولى في الحركة هو تطويع الوجود الإنساني بجوارحهوجوانحه للإرادة ، ومن المعلوم أنّ هذه المرحلة يمكن أن تعدّ قطعاً لنصف الطريق ،إذ أنّ الميل والشهوة والخيال من الأبواب التي تجرّ العبد إلى الهاوية مهما كانالعبد جادّاً في قطع الطريق ، فإنّ الأمر لا يتمّ بالإيمان واليقين فضلاً عنالأماني .. ومن هنا قال الإمام الكاظم (ع) : وقد علمت أنّ أفضل زاد الراحل إليكعزمُ إرادة يختارك بها ، وقد ناجاك بعزم الإرادة قلبي . ( الإقبال ج3 ص277 ).( المحقق )

    .....الذي هو مفتاح البركات ، وكلاهما في مقام الإرشاد للعباد والهداية للخلق ،وإلا فمقاماتهم في أنفسهم بما تقصر عنه العقول والأحلام ، وهم أعرف بها.
    وكذلكلا بدّ لك من التروي في العمل والتدبر فيه حتى يتأتى إيقاعه على الوجه المطلوب ،وحتى يتحرر أنه منبعث عن داعي الإخلاص ، وذلك في الغالب يقتضي مدة ومهلة ، مع أن كلشيء أخرته فللشيطان فيه نظرة ، وللتأخير فيه آفات ، وفيه يُخشى الفوات.

    فإذا تعارض عليك هذان الأمران ، حيث إنك بالتأخر تخشى الفوات ، وبالتقديموالاستعجال تخشى فساد العمل بعدم التروي والتأمل ، ومخادعة الشيطان (لعنه الله) بإبرازه لك في صورة الطاعة ، وهو في الحقيقة لداعي النفس والشيطان فيكون من نوعالمعصية.

    فطريق الخلاص من هذا التعارض ، أن تعلم أنّ التأخر الذي للشيطانفيه نظرة ، وفي الغالب أن يكون مفتوتاً للعمل ، إنما هو التأخــر عجــزاً وكسلا ً،وحرصا على المال ، ومحبة لأن يبقى في قبضتك ولا تنفقه فيخرج من يدك ، هذا هوالتسويف المهلك للعالم ، وهذا لا شكّ في قبحه ، ووجوب مجاهدة النفس ومخادعتها لأنتسلم منه.

    وأما التأخّر لأجل التروي والإتقان ، فهو مطلوب ومحبوب ومأمور بهمن قبل ربّ العزّة ، فلا يستتبع ندامة ، ولا يكون مفوتاً للخير ، لأنك محسنٌبامتثالك الأمور و{ ما على المحسنين من سبيل } . التوبة/91 (1)


    (3) إنّ معرفة التوقيت المناسب للإقدام أو الإحجام عن العمل ،يحتاج حقيقةً إلى بصيرةٍ وتسديدٍ من الله تعالى ، فلطالما فوتنا على أنفسنا المنافعالعظيمة ، نظراً لعدم ترقّب الفرص التي تمرّ كما تمرّ السحاب ، فإنّ قطف الثمار فيوقتها من هموم السالك.. فكم من الخسارة أن يستيقظ الزارع بعد موسم القطاف ، أوأثناء الموسم وقت ذبول الحصاد؟! ..( المحقق )

    مع ذلك إذا أردت أن تتقن الأمر وتضبطه ، فاجعل تأخيرك مقروناً بالتوكّل على الله ،في أن يمكّنك منه في الوقت الذي تؤخّره إليه ويعينــك ، واجعل تقديمك للشيء عندمجاذبة داعي الكسل والحرص إلى التأخير ، مقروناً بالتوكّل على الله في أن يعينك علىإخلاص المشيئة فيه ، وإيقاعه على وجهٍ محبوبٍ إليه ، وجالبٍ لرضاه.
    فإذا قرنتالأمر بالتوكل في كل من التأخير والتقديم ، واجتهدت في تشخيص الداعي إلى التقديموالتأخير ، فإن كان هو الحرص على الشيء بالرغبة النفسانية والكسل ، والحرص على مافي يديك ، لم تنبعث لهذا الداعي الفاسد.

    وإن كان المحرّك على كلّ منالتقديم والتأخير داع صحيح انبعث له ، فأنت محسنٌ في تقديمك وتأخيرك ، وما عليك منسبيل ، وأنت جالبٌ لمحبة الله بكلٍٍّ من التقديم والتأخير ، كالذي قدّمناه لك منأنك متعرّضٌ لمحبة الله في فعلك وتركك.
    فإن كان العبد متعرّضاً لمحبة اللهبفعله وتركه ، وتقديمه وتأخيره ، تمّ له السير إلى الله بسلوك سبيل طاعته بلاانقطاع ، وحاشاه حاشاه أن يقطع من انقطع إليه وقرع بابه. (4)


    (4) هذه العبارة على إيجازها دقيقةٌ جداً ، فإنه جمع بينالتعرّض للمحبة الإلهيـة – فإنه قوام الجذب الإلهي للعبد – وبين السلوك العمليأداءً للواجب وتركاً للحرام ، فإنّ البعض يتوهم أنّ إظهار المحبة من دون عمل ممايحقق للعبد درجات من القرب ، فتراهم يهيمون في عالم من التحليق الروحي ، مستخدمينالشعر تارةً والنثر تارةً أخرى ، ليرجعوا من تحليقهم إلى واقعهم المعاش بما فيه منموجبات إثارة سخط المولى ، سواء في مجال التعامل الفردي أو الإجتماعي أو الأسري..( المحقق )


    ثم لا تتوهم انحصار طريق القرب إلى الله بالعبادة المعلومة من الصلاة ، والصيام، وتلاوة القرآن ، والتعلم ، والتعليم ، واستعمال الأدعية ، والزيارات ، ونحو ذلك ،بحيث يكون كل ما خرج عن ذلك لغوا ً، وتضييعاً للعمر فيما لا فائدة به ، كما ظنّهكثيرٌ من إخواننا الصلحاء ، فإنّ ذلك قصورٌ واشتباهٌ للأمر بك. (5)


    (5) هذا بابٌ من الأبواب التي تفتح على صاحبه أبواباً منالمعرفة والبصيرة في السير إلى الله تعالى .. فترى البعض يلخّص الطريق في مجموعة منالأذكار والأوراد ، ناسياً أنّ الدين ليس من مقولة اللفظ ، وإنما الدين قوامهالمعرفة والمعاملة ، وهما يفرزان الذكر الذي ينسجم مع طبيعة الشريعة .
    ولطالماكان الإنشغال بالأوراد – بغير طريقة أهل البيت (ع) - من موجبات التخدير الباطني ،فيرى أنه على شيء وليس على شيء .. أضف إلى ذلك كله أنّ حقيقة الدعاء وهي الحركةالنابعة من القلب من مقولة المعاني .. والدعاء اللفظي ليس إلا كاشفاً عن تلكالمعاني الباطنية .. فإذا خلي اللفظ عن استحضار المعاني المناسبة لها كان الكاشفمما لا منكشف له.. وما قيمة القالب الذي لا قلب له ؟..( المحقق )


    اعلم أنّ مراد الشارع الأصلي من المكلفين تقوية البصيرة ، لكي يطيعوه بالبصيرةالتامة ، والمعرفة الكافية ، وكل ما له دخل في تقوية البصيرة وزيادة الفطانة ، فهوداخلٌ في مراد الشارع ومطلوبٌ له ، بل يكون طلبه له وحثّه عليه آكد من غيره.
    ومن اقتصر على العبادات التي ذكرناها ، وقصُر نظره عنها ، يغلب عليه الجمود ،وتقلّ فطانته بالموضوعات الشرعية في القبلة والوقت ونحوهما ، ويتمكن من خديعته منيريد الخديعة له في دينه من شياطين الإنس والجن ، وهذا خلاف مراد الشارع ونقيضغرضه.
    بخلاف من يمارس الأمور ببيعٍ وشراءٍ ، ويتعلّم الآداب ، ومحاورةالخطاب ، والنكت المستحسنة للسؤال والجواب ، ويضيف ذلك إلى عباداته وأوراده ، وعلمهوتعليمه ، هو الرجل كلّ الرجل ، نِعْمَ الرجل ، والوجدان والاختبار لذلك أعظم شاهد.
    وكلّما سرّحت نظرك في تعلّم شيءٍ من الصناعات المحسوسة، فتح الله لك أبواباً منالعلم في المعقولات ، والأصل في ذلك أن الله سبحانه قد ربط المحسوسات بالمعقولات ،والأمور الأخروية بالأمور الدنيوية.
    فمن أراد الأمور الأخروية بغير الأمورالدنيوية لم يتأتَّ له ذلك ، فقد جعل الله الأمور الأخروية لا تتم إلا بالدنيوية ،وجعل الدنيا المقصود بها التوصل إلى الآخرة محسوبة من الآخرة ، ولا تدخل في مذامالدنيا ، ولذا ورد في الحديث أنه: ملعونٌ من ترك آخرته لدنياه ، ملعونٌ ملعونٌ منترك دنياه لآخرته .. انتهى معنى الحديث.


    فإنّ الدنيا التي يُلعن من تركهاللآخرة هي التي يُتوصل بها إلى الآخرة ، ولا تتم أمور الآخرة إلا بها ، وهي فيالحقيقة من الآخرة ، وتركها ترك الآخرة ، والدنيا المذمومة هي التي لا يقصد بهاالتوصل ، وهي الفضول التي لا يتوقف عليها شيء.
    فالنوع الأول من الدنيا كما لابدّ منه في التوصل ، وهي واجبةٌ ، لذلك أيضاً بإذن الله جُعل الخوض فيها مفيداًللفطانة وتقوية الفهم والبصيرة ، وهو معنى ما في روايات التجارة: أنها نصف العقل . [ في معظم المصادر : تزيد في العقل كالكافي : 5/148 ] ..

    وروي أيضاً: أنّالعبادة عشرة أجزاء : تسعة منها في التجارة ، وجزء واحد في جميع الطاعات . [ في ( الوسائل : 12/4 ) : تسعة أعشار الرزق ، بدل العبادة ] ..
    ويؤيد ذلك أن النبي (ص) اتجر قبل البعثة إلى الشام ، وغيره من الأنبياء والمرسلين. (6)


    (6) هذا هو مقتضى الجمع بين تكاليف العبودية في كل المجالات ،فإنّ الجامعية في العمل بالشريعة من مواصفات السالك الحق ، بخلاف من يريد أن يطيربجناحٍ واحدٍ فضلاً عمن يريد أن يطير بريشة واحدة !.. ومما هو مجرّبٌ بالوجدان أنّالخلل الذي يوجبه التقصير في السعي لتأمين المعاش من موجبات توزع البال وعدماستجماع الهم ، والسالك أحوج ما يكون لدفع التشتت وما يسمى بـ ( الكثرات ) في حياته، فإنّ كلّ شاغلٍ بمثابة خيطٍ يشدّ العبد إلى ما يوجب له التثاقل إلى الأرض .. وهذاكله بخلاف ما يحلّ بالعبد من القضاء والقدر المحض ، فإنه سيؤجر عليه وإن أوجب لهالتشتت قهراً ، فالله عزّ وجلّ مدركٌ لكل فوتٍ ، ومعوضٌ بما لا يخطر على بال العبد ...( المحقق )


    فاقتضت الحكمة الإلهية أن تكون هذه الكمالات مفرّقة في العالم، وأن يكون كثيرٌ منهامتداولاً على ألسنة الناس شائعاً بينهم حتى يصل إلى كلّ أحدٍ نصيبه ، ولهذا أمر بأنتقبل كلمة الحكمة ممن جاء بها كائناً من كان ، حتى قالوا عليهم السلام : خذ الحكمةولو من أهل النفاق . البحار : 2/99 ..

    وقالوا (ع) : خذوا العلم من أفواهالرجال . [ البحار : 2/105 ].. فلما أراد الشارع الحكيم لهذا العبد أن يستوفي نصيبهمن الحكم والمعارف ، بذلها له في العالم حتى يتيسر وصولها إليه ، وأمره بقبولها ممنجاء بها ، فإن أهل البيت (ع) أمروا شيعتهم أن يعرفوا الرجال بالحق ، ولا يعرفواالحق بالرجال ، فقال (ع): انظـر إلى مـا قال ولا تنظر إلى من قال . البحار : 1/355..

    وقالوا: غريبتان: كلمة حكمة من سفيه فاقبلوها ، وكلمة سفه من حكيمفاغفروها . البحار : 2/44..

    فالكمال كلّ الكمال إنما هو اكتسابٌ من أقوالٍوأفعالٍ ، أو معاملاتٍ ، أو تجاربٍ ، حتى ورد عنهم (ع) : أنّ العقل حفظ للتجارب ،وخير ما جربت ما وعظك . [ البحار : 74/208 ] .. وأن التجربـة علمٌ مستفادٌ . غررالحكم ..

    فما انقدح في نفوس جملةٍ من الاخوان من الاقتصار على هذه العباداتالمألوفة ، وقصر النظر عليها جرّبناه ، واختبرناه ، وتأمّلنا في الأحوال الماضية منأهل الأعصار السابقة ممن نُقل إلينا حاله ، فوجدناه مستلزماً للبلادة وقلّة الفطانة، غير موصل صاحبه إلى الترقي ، واكتساب المقامات الرفيعة ، فأحببنا التنبيه على أنهمن خدع الشيطان الرجيم (لعنه الله) التي يحبسه بها عن الانتقال إلى المقاماتالرفيعة ، والرتب السنيّة.

    ومم يُهتدى إليه باستسهال الشيء بالنسبة إلى مافوقه ، استحقار الدنيا وشؤونها وأطوارها ، بنسبتها إلى أمور الآخرة وأحوالهاوأطوارها.

    فالواجب على من يريد الإقبال على الله أن يُخرج هموم الدنيا منقلبه ، فلا يفرح بشيء ٍمنها أتاه ، ولا يحزن على شيءٍ منها فاته ، بأن يتدبرها فينفسها ، وينظر في فنائها وزوالها ، وسرعة تقلّباتها ، وعدم دوامها على حال ،فالعاقل لايليق به أن يتوجّه إلى هذا الشيء الذي لا يستقرّ على حال ، بل هي فيالحقيقة لا شيء.
    وثانياً بأن هذه الدنيا إن فرضناها شيئاً - كما هو مقتضى تلبيسالشيطان (لعنه الله) الذي لبّس به على هذا الخلق ، بحيث أوهمهم بأنها في نفسها شيءٌحسن - لكن لا ريب وبالضرورة لا نسبة لها إلى ما هو أحسن من ملاذ الآخرة التياجتباها الله لأوليائه ، واختارها لأصفيائه.

    فعلى فرض أن الدنيا فيها شيءٌمن الحسن ، فهو مضمحل عند نسبته إلى حسن الآخرة.
    فإذا أدمت النظر وأحسنت الفكر، انجلى لك أن من يتوجّه إلى شيءٍ من أمور الدنيا من حيث أنها دنيا - لا لأجلالتوصّل إلى الآخرة - متوجّهٌ إلى العدم المحض والباطل الزائل. (7)


    (7) إنّ الالتفات إلى فناء الدنيا وزوالها من الأسباب المهمةلقطع التعلق القلبي بها ، فإنّ المذموم هو حب شهواتها ، وإلا فإنّ ذات الدنيا ممالا تصف بحسنٍ ولا قبحٍ .. فإذا كان الله تعالى هو المزين لها فلا حقّ لأحدٍ فيذمّها ، فكيف وقد استنكر الله تعالى من حرّم زينتها .. وإذا كان المزين هو الشيطانحقّ للإنسان أن يحترز منها كما يحترز من الحيّة التي يلين مسّها وفي جوفها السمّالقاتل .ومن الضروري مخادعة النفس في هذا المجال فنمنّيها بالأجر الأعظم الأدوملترفع اليد على الأقلّ المنصرم .. وقد روي عن علي (ع) انه قال : لو كانت الدنياذهبا والاخرة خزفا ، لأخذت خزف الآخرة على ذهب الدنيا ، فانه خزف باق وذهب الدنيافان .. فكيف والآخرة ذهب باق والدنيا خزف فان ؟... شجرة طوبى 2-422 .( المحقق )

    فيا أيها الأخ !.. اعلم أنّ طريقة أهل البيت (ع) على أن تعرف بأنها ليست شيئاً فينفسها ، فمهما رأيتها شيئاً وتريد أن تتركها لشيءٍ آخر أحسن منها ، فأنت لم تهتدِإلى طريقة أهل البيت (ع) .

    فأجمع فكرك وتضرّعك إلى ربّك في أن يعرّفكالدنيا على ما هي عليه عند أهل البيت ، لتكون في الذين يقتفون آثارهم ، ويتبعونمنهاجهم ، وإلا فنحن بوادٍ والعذول بوادٍ.

    وإذا تبدّه عندك بعض النظرالصحيح ، والفكر الثابت المليح أن الدنيا ليست شيئاً يطلب ، ولا مما يصح أن يتوجّهإليه القصد ، فلا مناص لك عن انحصار قصدك وتوجّهك فيما يرجع إلى الله ، وفيما يطلبالله.

    فإذا اتفق أنه يصدر منك بعــد ذلك شيءٌ لا لله سبحانه بل لمقتضىالطبع ، أو لميل النفس ، أو لمخادعة الشيطان (لعنه الله) فهذا مما لم يكن داخلاًتحت قصدك ، ولا مندرجاً تحت إرادتك وعزمك ، بل أشبه شيءٍ بالكلام الذي يقع منكغلطاً ، أو الكلام الذي أوقعك فيه الغير بحيلةٍ ، أو خديعةٍ ، أو أنه وقع منكنسياناً لما أنت بانٍ عليه ، أو سهواً عما أنت عازمٌ عليه ، فيصحّ لك على هذا أنتقول في الزيارة الجامعة:
    (
    مطيعاً لكم )
    حيث أنك في حال القصد والتخلية لاتطيع إلا لهم ، ولا ترى غيرهم من أعدائهم أهلاً للطاعة إلا أن تُخدع ، أو تفرّ أوتسهو ، أو تغلط فتقع في غير مرادك ، وخلاف قصدك ، فيتأتى منك حينئذ التوبة الصادقة، والاستغفار الصادق ، حيث إنك دائماً عازم على عدم العود في الإثم ، وعلىالاستمرار على الطاعة (8) .....


    (8) هذه صورةٌ من صور الواقعة التي اتبعها المؤلف في نهجهالأخلاقي ، فإنّ الزلل الحاصل من الغفلة أو السهو لا ينبغي أن يبعث اليأس في نفسالسالك ، فإنّ القلب كثير التقلب بطبيعته ، والله تعالى يحب التوابين كما يحبالمطهرين ، وقد شبهت بعض الروايات المؤمن بالسنبلة التي تخرّ تارةً وتستقيم أخرى .. ومن المعروف عند أهل المعرفة أنّ حركة العبد التكاملية بعد كلّ إنابةٍ وتوبةٍ ، قدتشتدّ لتكون سبباً لتعويض المراحل التي خسر في طيّها عند الغفلة أو الشهوة.( المحقق )

    .....ولا تكون ممن ورد فيه الحديث:
    بأن المقيم على الذنب وهـو يستغفر منــه كالمستهتزئ بـربه . البـحـار : 90/281 فتخرج بما ذكرناه عن عنوان المستهزئين ، وكأنه إلى هذا المعنى أشار سيد الشهداء (ع) في دعاء عرفة :

    إلهي !.. إنك تعلم أني وإن لم تدم الطاعة مني فعلاً جزماً ، فقد دامت محبةَ وعزماً . إقبال الأعمال : 348
    فكل ذلك يتوقف على خروج حب الدنيا من القلب ، ولو بالمعنى الذي ذكرناه بأن يكون بناء أمرك وتصميم عزمك على أن لا تفعل شيئاً من أمور الدنيا من حيث أنها دنيا ، إذ هي بهذه الحيثية ليست مقصدا للعاقل ، بحيث تعد نفسك إذا فعلت ذلك لذلك داخلا في السفهاء ، وخارجا عن عداد العقلاء ، فإذا أتقنت ذلك بحيث تبدأه في نظرك تمّ لك الغاية التي ذكرناها وغيرها مما في معناها ، فاغتنم ذلك ولا تكن من الغافلين.


  • #18
    عـضـو V.I.P
    الحاله : كريم الحيدري متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2012
    رقم العضوية: 2250
    الجنس: ذكر
    المشاركات: 2,295
    الدولة: علم دولة العضو
    كريم الحيدري will become famous soon enough كريم الحيدري will become famous soon enough
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    عدد الترشيحات : 7
    عدد المواضيع المرشحة : 6
    رشح عدد مرات الفوز : 3

    رد: الطريق إلى الله تعالى

    12

    فتأمّل فيه ترى ما لا يوصف ، وبهذا الحديث الشريف وملاحظة أمثاله من مظان المواهب الإلهية ، والنفحات الربانية ، يتقوّى جانب من أن يكون ما عندنا من الظنون الحسنة ، والآمال بمواهب ذي الجلال ، مندرجة تحت حسن الظن بالله ، إذ هي إن لم تكن منه فلا أقلّ من أن تكون من أفراده الادعائية ، وقد عرفت إنه بكرمه يجيزها ويعاملها معاملة الأفراد الحقيقية ، وحكمه في الدارين واحد {>ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} . سورة الملك/3

    واعلم أن حسن الظنّ ليس مقتضاه الخلود إلى الراحة ، وترك العمل معللاً بحسن الظنّ بالله ، فإن هذا من خدع الشيطان الرجيم - أعاذنا الله منه وجميع المؤمنين بمحمد وآله الطاهرين - بل مقتضاه الانجذاب إلى ما عند الله ، وشدة الرغبة في مواهب االله ، فإن من أنس بمواهب الله جذبه الطمع ، وهانت عنده الشدائد ، ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.(4)
    ________________________________________
    (4) ان هذه الرواية من الروايات التي تبعث الامل الكبير في النفوس .. فانظر الى هذه الرحمة المستغرقة لادنى القابليات التي تدعى حسن الظن إدعاءً ، فكيف بمن يدعيه صدقا؟!.. وكيف بمن يمارسه تطبيقا في الحياة الدنيا؟!.. ونرجع فنقول : كَم مِنَ الذين يلتفتون إلى مثل مقالة ذلك العبد يوم القيامة ؟ ..ولو التفت اليها جميع أهل المحشر لنجوا بذلك !.. ولكنه تعالى هو الذي يلقن العبد حجته يوم لقائه ، لما رأي منه في دار الدنيا ما يوجب له هذا اللطف في ذلك اليوم العصيب.( المحقق )
    ________________________________________
    وعن مولانا الرضا (ع) قال: إنّ الله أوحى إلى داود (ع) قال: إنّ العبد من عبادي يأتيني بالحسنة فأدخله الجنة.
    قال: يا رب ، وما تلك الحسنة؟..
    قال: يفرّج عن المؤمن كربة ولو بشق تمرة.
    فقـال داود (ع) : حـق لمن عرفك أن لا ينقطع رجاؤه منك. [العيون:1/313 ، الجواهر السنيّة:79] .. انتهى.
    فإذا كان عزّ وجلّ يعطي هذه الجنة العظيمة التي عرضها السماوات والأرض بشق تمرة ، وفي بعض الروايات أنه يحكم بالجنة بشق تمرة.
    فبالله عليك كيف يسوغ ترك المعاملة مع هذا الكريم ، والتغافل عن معاملته طرفة عين؟.. وبأي شيء يستبدل عنه؟.. ومن فاتته لحظة لم يقبل فيها على الله فأي شيء يكون عوض ما فاته؟!.. هيهات !.. هيات!.. لقد فاته شيء لا عوض له ، وغبن غبناً لا جبر له.

    ومن أجل هذا المعنى وشدة رأفة الله بعباده المؤمنين ، جاءت الشريعة الغرّاء بترتيب المثوبات العظيمة على حركات المؤمنين وسكناتهم ، وحتى علّم علي بن الحسين (ع)شيعته الدعاء بقوله:

    اللهم !.. اجعل همسات قلوبنا ، وحركات أعضائنا ، ولمحات أعيننا ، ولهجات ألسنتنا في موجبات ثوابك<. الصحيفة السجادية:60
    وقال (ع)في بعض أدعيته:
    وأستغفرك من كلّ لذّةٍ بغير ذكرك .( المناجاة الخمسة عشر)

    فمراد الله سبحانه في عباده المؤمنين ، أن لا يخسروا خسراناً لا جبر له بالغفلة عن معاملته ، وفقد أجرته طرفة عين.
    ولهذا جعل الطرق إليه بعدد أنفاس الخلائق بحيث أنّ >من شرب الماء وذكر الحسين (ع) وأهل بيته ولعن قاتله ، كتب الله له مائة ألف حسنة ، ومحى عنه مائة ألف سيئة ، ورفع له مائة ألف درجة ، وكان كأنما أعتق مائة ألف نسمة ، وبعثه الله يوم القيامة ثلج الفؤاد< . الكافي : 6/193..

    أترى صاحب هذا العطاء ، والمُعد لهذا الجزاء يرضى أن يضيع على عبده - المحتاج إليه وهو الغني المطلق - نفساً من أنفاسه؟!..
    حاشا وكلا!.. بل يريد من هذا العبد المسكين أن يكون مقبلاً على ربه ، حيث إنه لا خير إلا عنده ، ولا شرف إلا في الإقبال إليه ، فإذا أقبل هو على الله أقبل هو عليه ، وإذا أقبل عليه عامله بفضله وكرمه وهداه لأن يقصد بكل خطراته وحركاته وسكناته ونومه ويقظته رضاء ربه ، بما يقتضيه كرمه وجوده ومنّه.

    ومنه ما عن الباقر (ع) قال: إنّ الله أوحى إلى داود (ع): بلّغ قومك أنه ليس من عبدٍ منهم آمره فيطيعني ، إلا كان حقاً عليّ أن أطيعه وأعينه على طاعتي ، وإن سألني أعطيته ، وإن دعاني أجبته ، وإن اعتصم بي عصمته ، وإن استكفاني كفيته ، وإن توكّل عليّ حفظته من وراء عــوراته ، وإن كاده جميع خلقي كنت دونه.. انتهى . الجواهر السنية : 74

    وكذلك تأتي رأفته البالغة ورحمته الواسعة ، أن يبالغ في تحذير عبده المسكين عن التخطي إلى ما لا يعنيه فضلاً عما يضرّه.

    وفي بعض الخطابات القدسية على ما في (الجواهر السنية):
    يا بن آدم !.. إذا وجدت قساوة في قلبك ، وسقما في جسمك ، ونقصاً في مالك ، وحريمة في رزقك ، فاعلم أنك قد تكلّمت فيما لا يعنيك . الجواهر السنية : 66
    وهو الفضول من الكلام ، فضلاً عن المحرّم فهــو أضرّ على الإنسان من السمّ ، إذ منتهاه أن يؤثّر في الجسم ، والفضول من الكلام يؤثر قساوة في القلب ، والنقيصة في المال ، والحرمان في الرزق ، مع السقم في الجسد ، فكيف يرضى له الرب الرؤوف بأن يعرّض نفسه لهذه المهلكة العظيمة.

    بل ورد أنّ الله سبحانه يحاسب العبد على فضول النظر ، كما يحاسبه على فضول الكلام.(5)
    ________________________________________
    (5) وهذا هو مقتضى المراقبة الدقيقة للسلوك في ارقى مراتبه، فان لحظات العيون مما لا يعد عند العامة فعلا ليترتب عليه الحساب ، إذ أن العين تبصر ما لم تغمض سواء أراد صاحبها أم لم يرد.. ولكن المراقب لنفسه يحوّل هذه العملية اللاإرادية إلى حالة شعورية ..فلا يسلط نظره إلى ما ليس مأمورا به ، فكيف اذا كان منهيا عنه؟!.. بهذا الحديث واشباهه يعلم ان الطريق الى الله تعالى كالصراط يوم القيامة احد من السيف.. ومن هنا صعب الوصول إلا بفضل الله ورحمته.(المحقق )
    ________________________________________
    فمن أجل أنه لا يريد أن يضيّع على عبده البائس المسكين نظرة من نظراته ، جعل له النظر إلى وجه العالم عبادة ، والنظر إلى الكعبة عبادة ، والنظر إلى ذرية رسول الله (ص) عبادة ، والنظر إلى المخلوقات بعين الاعتبار عبادة ، وأي عبادة !.. فإنه التفكير الذي ساعة منه تعدل عبادة ستين سنة { فأينما تولوا فثم وجه الله } . البقرة/115

    وعن الصادق جعفر بن محمد بن علي ، عن أبيه ، عن آبائه (ع) ، عن النبي (ص) قال:
    أوحى الله تعالى إلى داود (ع) : يا دواود !.. وكما لا تضيق الشمس على من جلس فيها ، كذلك لا تضيق رحمتي على من دخل فيها ، وكما لا تضرّ الطِّيرة من لا يتطير ، كذلك لا ينجو من الفتنة المتطيّرون. [ الجواهر السنية : 77] .. انتهى.

    وهذا الخطاب الإلهي القدسي من أكبر وأعظم الشواهد على ما أصّلناه من أن المتطير لسوء ظنه بربّه لا ينجو من الفتنة ، فيقع في الهلكة ، ومن لا يتطيّر لحسن ظنّه بربّه لا تضرّه الأشياء التي يُتطيّر منها ، وتُدفع عنه ببركات حسن الظن بالله.

    ومن دخل في رحمة الله بالانقطاع (6).....
    ________________________________________
    (1) إن تعبير المصنف في هذا الموضع تعبير رائع .. فمن ناحية جعل الدخول إلى أخبارهم من موجبات الرحمة الإلهية ، فإن نفس الميل إلى أخبارهم والأنس بما ورد عنهم من علامات المسانخة لطينتهم ، والاستعداد لتلقي الفيض منهم ، وإلا فإن النفوس الاجنبية لا تألف هذه الكلمات الصادرة ممن اتصلوا بعالم الغيب.. ومن ناحية اخرى اكد على ضرورة الانقطاع إليهم ، فكيف يهتدي الى طريق الله الاعظم من لم يستوعب حقيقة الولاية الالهية المتمثلة في النبي (ص) وأوصيائه (ع) ؟!..إن هذه النفوس التي لم تفهم أكثر الحقائق بداهةً في عالم المعرفة – اذ ما نودي بشيء مثلما نودي بالولاية (الكافي ج 2 ص 18) – كيف لها أن تفهم دقائق السير إلى رب الأرباب؟!.. (المحقق )
    ________________________________________
    ....... إلى أخبار أهل البيت (ع) ، واقتفى آثارهم لم تضق عليه ، بل لا تزال تتسع وتنفتح له الأبواب التي كل باب ينفتح منه ألف باب ، حتى يوصله إلى مقام انشراح الصدر بنور العلم والمعرفة ، وهو من أفضل ما أثنى الله على نبيه (ص) حيث يقول:
    { ألم نشرح لك صدرك } . الإنشراح/1

    فإذا مَنَّ الله عليه بالوصول إلى هذه الرتبة ، فهو من الذين لا يصلهم بلاء الدنيا ، ولا بلاء الآخرة ، وبمعنى أنه لو أصابه نوع من البلاء فهو عند غيره بلاء ، وبحسب نظر الناس ، وإلا فهو عنده في جنب ما عرّفه الله من إيصاله إلى رضاء الله ، وبحسب ما يطلب منه من المراتب السامية عند الله تعالى، من أكبر الملاذ وأهنأ العطاء.

    ولذا كان بعض خواص الحسين (ع) من أهل الطف ، كلما اشتد عليهم البلاء تشرق وجوههم ، وتستبشر نفوسهم ، رزقنا الله وإياكم هذه المقامات ، وأين أبناء الملوك عن هذه اللذات ، وحسبنا الله ونِعْمَ الوكيل ، ونِعْمَ المولى ونعم النصير .

    الباب الخامس : في إيضاح عجز الإنسان من حيث هو

  • ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    تصميم onlyps لخدمات التصميم