09-2
فتأمّل فيه ترى ما لا يوصف ، وبهذا الحديث الشريف وملاحظة أمثاله من مظان المواهبالإلهية ، والنفحات الربانية ، يتقوّى جانب من أن يكون ما عندنا من الظنون الحسنة ،والآمال بمواهب ذي الجلال ، مندرجة تحت حسن الظن بالله ، إذ هي إن لم تكن منه فلاأقلّ من أن تكون من أفراده الادعائية ، وقد عرفت إنه بكرمه يجيزها ويعاملها معاملةالأفراد الحقيقية ، وحكمه في الدارين واحد {>ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} . سورة الملك/3
واعلم أن حسن الظنّ ليس مقتضاه الخلود إلى الراحة ، وتركالعمل معللاً بحسن الظنّ بالله ، فإن هذا من خدع الشيطان الرجيم - أعاذنا الله منهوجميع المؤمنين بمحمد وآله الطاهرين - بل مقتضاه الانجذاب إلى ما عند الله ، وشدةالرغبة في مواهب االله ، فإن من أنس بمواهب الله جذبه الطمع ، وهانت عنده الشدائد ،ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.(4)
(4) ان هذه الرواية من الروايات التي تبعث الامل الكبير فيالنفوس .. فانظر الى هذه الرحمة المستغرقة لادنى القابليات التي تدعى حسن الظنإدعاءً ، فكيف بمن يدعيه صدقا؟!.. وكيف بمن يمارسه تطبيقا في الحياة الدنيا؟!.. ونرجع فنقول : كَم مِنَ الذين يلتفتون إلى مثل مقالة ذلك العبد يوم القيامة ؟ ..ولوالتفت اليها جميع أهل المحشر لنجوا بذلك !.. ولكنه تعالى هو الذي يلقن العبد حجتهيوم لقائه ، لما رأي منه في دار الدنيا ما يوجب له هذا اللطف في ذلك اليوم العصيب.( المحقق )
وعن مولانا الرضا (ع) قال: إنّ الله أوحى إلى داود (ع) قال: إنّ العبد من عبادييأتيني بالحسنة فأدخله الجنة.
قال: يا رب ، وما تلك الحسنة؟..
قال: يفرّجعن المؤمن كربة ولو بشق تمرة.
فقـال داود (ع) : حـق لمن عرفك أن لا ينقطع رجاؤهمنك. [العيون:1/313 ، الجواهر السنيّة:79] .. انتهى.
فإذا كان عزّ وجلّ يعطيهذه الجنة العظيمة التي عرضها السماوات والأرض بشق تمرة ، وفي بعض الروايات أنهيحكم بالجنة بشق تمرة.
فبالله عليك كيف يسوغ ترك المعاملة مع هذا الكريم ،والتغافل عن معاملته طرفة عين؟.. وبأي شيء يستبدل عنه؟.. ومن فاتته لحظة لم يقبلفيها على الله فأي شيء يكون عوض ما فاته؟!.. هيهات !.. هيات!.. لقد فاته شيء لا عوضله ، وغبن غبناً لا جبر له.
ومن أجل هذا المعنى وشدة رأفة الله بعبادهالمؤمنين ، جاءت الشريعة الغرّاء بترتيب المثوبات العظيمة على حركات المؤمنينوسكناتهم ، وحتى علّم علي بن الحسين (ع)شيعته الدعاء بقوله:
اللهم !.. اجعلهمسات قلوبنا ، وحركات أعضائنا ، ولمحات أعيننا ، ولهجات ألسنتنا في موجباتثوابك<. الصحيفة السجادية:60
وقال (ع)في بعض أدعيته:
وأستغفرك من كلّلذّةٍ بغير ذكرك .( المناجاة الخمسة عشر)
فمراد الله سبحانه في عبادهالمؤمنين ، أن لا يخسروا خسراناً لا جبر له بالغفلة عن معاملته ، وفقد أجرته طرفةعين.
ولهذا جعل الطرق إليه بعدد أنفاس الخلائق بحيث أنّ >من شرب الماء وذكرالحسين (ع) وأهل بيته ولعن قاتله ، كتب الله له مائة ألف حسنة ، ومحى عنه مائة ألفسيئة ، ورفع له مائة ألف درجة ، وكان كأنما أعتق مائة ألف نسمة ، وبعثه الله يومالقيامة ثلج الفؤاد< . الكافي : 6/193..
أترى صاحب هذا العطاء ، والمُعدلهذا الجزاء يرضى أن يضيع على عبده - المحتاج إليه وهو الغني المطلق - نفساً منأنفاسه؟!..
حاشا وكلا!.. بل يريد من هذا العبد المسكين أن يكون مقبلاً على ربه، حيث إنه لا خير إلا عنده ، ولا شرف إلا في الإقبال إليه ، فإذا أقبل هو على اللهأقبل هو عليه ، وإذا أقبل عليه عامله بفضله وكرمه وهداه لأن يقصد بكل خطراتهوحركاته وسكناته ونومه ويقظته رضاء ربه ، بما يقتضيه كرمه وجوده ومنّه.
ومنه ما عن الباقر (ع) قال: إنّ الله أوحى إلى داود (ع): بلّغ قومك أنه ليسمن عبدٍ منهم آمره فيطيعني ، إلا كان حقاً عليّ أن أطيعه وأعينه على طاعتي ، وإنسألني أعطيته ، وإن دعاني أجبته ، وإن اعتصم بي عصمته ، وإن استكفاني كفيته ، وإنتوكّل عليّ حفظته من وراء عــوراته ، وإن كاده جميع خلقي كنت دونه.. انتهى . الجواهر السنية : 74
وكذلك تأتي رأفته البالغة ورحمته الواسعة ، أن يبالغفي تحذير عبده المسكين عن التخطي إلى ما لا يعنيه فضلاً عما يضرّه.
وفي بعضالخطابات القدسية على ما في (الجواهر السنية):
يا بن آدم !.. إذا وجدت قساوة فيقلبك ، وسقما في جسمك ، ونقصاً في مالك ، وحريمة في رزقك ، فاعلم أنك قد تكلّمتفيما لا يعنيك . الجواهر السنية : 66
وهو الفضول من الكلام ، فضلاً عن المحرّمفهــو أضرّ على الإنسان من السمّ ، إذ منتهاه أن يؤثّر في الجسم ، والفضول منالكلام يؤثر قساوة في القلب ، والنقيصة في المال ، والحرمان في الرزق ، مع السقم فيالجسد ، فكيف يرضى له الرب الرؤوف بأن يعرّض نفسه لهذه المهلكة العظيمة.
بلورد أنّ الله سبحانه يحاسب العبد على فضول النظر ، كما يحاسبه على فضول الكلام.(5)
(5) وهذا هو مقتضى المراقبة الدقيقة للسلوك في ارقى مراتبه،فان لحظات العيون مما لا يعد عند العامة فعلا ليترتب عليه الحساب ، إذ أن العينتبصر ما لم تغمض سواء أراد صاحبها أم لم يرد.. ولكن المراقب لنفسه يحوّل هذهالعملية اللاإرادية إلى حالة شعورية ..فلا يسلط نظره إلى ما ليس مأمورا به ، فكيفاذا كان منهيا عنه؟!.. بهذا الحديث واشباهه يعلم ان الطريق الى الله تعالى كالصراطيوم القيامة احد من السيف.. ومن هنا صعب الوصول إلا بفضل الله ورحمته.(المحقق )
فمن أجل أنه لا يريد أن يضيّع على عبده البائس المسكين نظرة من نظراته ، جعل لهالنظر إلى وجه العالم عبادة ، والنظر إلى الكعبة عبادة ، والنظر إلى ذرية رسول الله (ص) عبادة ، والنظر إلى المخلوقات بعين الاعتبار عبادة ، وأي عبادة !.. فإنهالتفكير الذي ساعة منه تعدل عبادة ستين سنة { فأينما تولوا فثم وجه الله } . البقرة/115
وعن الصادق جعفر بن محمد بن علي ، عن أبيه ، عن آبائه (ع) ، عنالنبي (ص) قال:
أوحى الله تعالى إلى داود (ع) : يا دواود !.. وكما لا تضيقالشمس على من جلس فيها ، كذلك لا تضيق رحمتي على من دخل فيها ، وكما لا تضرّالطِّيرة من لا يتطير ، كذلك لا ينجو من الفتنة المتطيّرون. [ الجواهر السنية : 77] .. انتهى.
وهذا الخطاب الإلهي القدسي من أكبر وأعظم الشواهد على ما أصّلناهمن أن المتطير لسوء ظنه بربّه لا ينجو من الفتنة ، فيقع في الهلكة ، ومن لا يتطيّرلحسن ظنّه بربّه لا تضرّه الأشياء التي يُتطيّر منها ، وتُدفع عنه ببركات حسن الظنبالله.
ومن دخل في رحمة الله بالانقطاع (6).....
(1) إن تعبير المصنف في هذا الموضع تعبير رائع .. فمن ناحيةجعل الدخول إلى أخبارهم من موجبات الرحمة الإلهية ، فإن نفس الميل إلى أخبارهموالأنس بما ورد عنهم من علامات المسانخة لطينتهم ، والاستعداد لتلقي الفيض منهم ،وإلا فإن النفوس الاجنبية لا تألف هذه الكلمات الصادرة ممن اتصلوا بعالم الغيب.. ومن ناحية اخرى اكد على ضرورة الانقطاع إليهم ، فكيف يهتدي الى طريق الله الاعظم منلم يستوعب حقيقة الولاية الالهية المتمثلة في النبي (ص) وأوصيائه (ع) ؟!..إن هذهالنفوس التي لم تفهم أكثر الحقائق بداهةً في عالم المعرفة – اذ ما نودي بشيء مثلمانودي بالولاية (الكافي ج 2 ص 18) – كيف لها أن تفهم دقائق السير إلى رب الأرباب؟!.. (المحقق )
....... إلى أخبار أهل البيت (ع) ، واقتفى آثارهم لم تضق عليه ، بل لا تزال تتسع وتنفتح له الأبواب التي كل باب ينفتح منه ألف باب ، حتى يوصله إلى مقام انشراح الصدر بنور العلم والمعرفة ، وهو من أفضل ما أثنى الله على نبيه (ص) حيث يقول:
{ ألم نشرح لك صدرك } . الإنشراح/1
فإذا مَنَّ الله عليه بالوصول إلى هذه الرتبة ، فهو من الذين لا يصلهم بلاء الدنيا ، ولا بلاء الآخرة ، وبمعنى أنه لو أصابه نوع من البلاء فهو عند غيره بلاء ، وبحسب نظر الناس ، وإلا فهو عنده في جنب ما عرّفه الله من إيصاله إلى رضاء الله ، وبحسب ما يطلب منه من المراتب السامية عند الله تعالى، من أكبر الملاذ وأهنأ العطاء.
ولذا كان بعض خواص الحسين (ع) من أهل الطف ، كلما اشتد عليهم البلاء تشرق وجوههم ، وتستبشر نفوسهم ، رزقنا الله وإياكم هذه المقامات ، وأين أبناء الملوك عن هذه اللذات ، وحسبنا الله ونِعْمَ الوكيل ، ونِعْمَ المولى ونعم النصير .

LinkBack URL
About LinkBacks

عدد مرات الفوز : 3
رد مع اقتباس
شكراً لهذا
أعجبني هذا


